1. Home
  2. زوايا
  3. بين الخطأ والخطيئة
بين الخطأ والخطيئة

بين الخطأ والخطيئة

104
0

قرأت مرة هذا الكلام وأعجبني جدا: لا يجوز مقارنة الضحية بالجلاد في أي حال من الأحوال.. فالجلاد المعتدي يرتكب خطيئة أما الضحية فهي لو كانت مسؤولة حينما استفزت الخصم فهي ارتكبت خطأ فحسب والفارق بين الخطأ والخطيئة شاسع.. وبقيت على احترامي لهذا الكلام حتى قرأت رأي حنة ارندت في موضوع منفصل.. قد يبدو بعيدا في نظركم ولكنه في نظري قريب..
ارندت وايخمان والتخلي عن التفكير
تقول حنا ارندت: لم أقم بالدفاع عن ايخمان ولكنني حاولت أن أربط بين الإعتيادية الشديدة لهذا الرجل وبين أفعاله العظيمة في فظاعتها.. محاولة الفهم لا تعني المغفرة.. أرى بأنها من مسؤوليتي أن أفهم.. إنها مسؤولية كل شخص يجرؤ على الكتابة في هذا الموضوع. منذ سقراط أفلاطون تم إعتبار التفكير على أنه القيام بإجراء حوار صامت بين الشخص ونفسه. وفي ما يتعلق ب ايخمان فقد تنازل بشكل كامل عن هذه الصفة المميّزة للإنسان والتي هي القدرة على التفكير ولهذا السبب لم يعد باستطاعته أن يستنتج أي أحكام أخلاقية.. هذا العجز عن التفكير مكّن رجلا عاديا مثله من تنفيذ أفعال متوحشة وذات ضخامة هائلة.. أفعال لم نرى مثلها من قبل على الإطلاق.


التخلي عن التفكير: غباء
حينما اطاع ايخمان الأوامر لم يكن بنيته فعل الخير او الشر انما احترام القانون والتراتبية العسكرية.. مع ذلك فقد قام بالنهاية بأعمال اجرامية قاسية.. لذلك اسمحوا لي أن اتهم الضحية التي تتخلى عن كل منطق سياسي وتاريخي وواقعي حينما تقوم بخطأ اخرق ما -خاصة التصرفات التي تحمل تهديدا وجوديا للعدو- دون ان تستشير شعوبها في تبعات ما تصرفت به ودون ان تتوقع آثار العدوان الحتمي الذي سيقع فوق رأسها.. فهي مجرمة بنفس القدر مثلها مثل العدو.. والخطأ الذي ارتكبته تحول خطيئة في نظري..
الشيطان يكمن في التفاصيل
ولما كان الحال كذلك لن أعطي أي مثال معاصر لأن كل مثال سيجرح القراء الذين يناصرون الجهة التي اقترفته.. ولكن في نفس الوقت أنا واثق مليون في المئة أن كل جهة والحمدلله تملك مثالا من تصرف الخصم على التصرف بغباء مماثل.. لذلك سيفهم الجميع مقالي دون أن اعطي أي مثال معاصر ودون أن اضطر أن اجرح مشاعركم..
ملاحظة1: التحليل المنطقي لا يجب أن يصدر بعد حصول النتيجة
لفترة من الفترات اعتبرت أن مهاجمة هتلر لروسيا هو واحد من هذه الأخطاء الغبية ولكن بعد مراجعة التاريخ اكتشفت ان هتلر كان لديه فرص نجاح مهمة.. لربما كان غباء هتلر في ايديولوجيته الفاشية أكثر بكثير مما كان في خياراته العسكرية.. ومن هنا أخذت قاعدة أخرى في النظر إلى المواضيع السياسية وهي القاعدة التي تكلم عنها نسيم طالب في البجعة السوداء: لا معنى لتحليل الحدث بعد حدوثه وكأنه كان متوقعا قبل حدوثه.. كي نعتبر الخطأ الفادح خطيئة يجب أن نتوقع النتيجة السيئة قبل حصولها للاستدلال على ذلك وليس بعد حصولها..
ملاحظة 2: لا مساواة اخلاقية في الموضوع
حينما اعتبر الخطأ الغبي خطيئة لا اقصد هذا من باب الحكم الاخلاقي انما من باب تحذيره من تكرار أخطاء مماثلة.. فالغبي الذي يخرق السفينة ويغرقها بدون قصد هو مجرم وليس مخطئا فحسب.. مجرم بالاهمال ولو لم يكن مجرما بالنية.. أما في موضوع الحساب فالتاريخ هو من سيحاكمه ثم يحاسبه الله في اليوم الأخر وهو العادل الذي لا يشك المؤمن في عدله

بقلم المهندس والكاتب عزام حدبا