الطقس الإحتفالي بالذكرى ال78 للإستقلال الذي شهدته اليرزة لم يجمل الصورة! فالبلد تحت وطأة الإرتهان وقبضة التبعية، وأهله فريسة تسلط الإحتكارات المحمية، ومرور الوقت فاقم الإحتياجات خصوصاً المعيشية والصحية، وأبرز غياب أي منحى للمعالجة. كما أن صورة التداعيات الخطيرة للقطيعة مع بلدان الخليج تقلق أوسع الأوساط من مقيمين ومغتربين، فيتزايد القلق مع إدارة المتسلطين ظهرهم لأخطر مأساة تسبببت بها الأجندة الخارجية التي أوكل لحزب الله تنفيذها، ضارباً عرض الحائط مصالح البلد وأبنائه.. وجاء كشف خلية جديدة لحزب الله في البحرين ليفاقم الأوضاع المتفجرة!
الدولة مختطفة، والسلطة غائبة، والمؤسسات تترنح، والناس تئن تحت سطوة “مسؤولين وقادة غير مستقلين ولاؤهم للخارج” وفق ما لخصه البطريرك الراعي. وأكثر فأكثر تتسع القناعات بأنه بدون قيام اللبنانيين بمهمة استعادة دولتهم، وفك أسرها واستعادة القرار، لن تُستعاد مؤسسات، ولن يكون متاحاً كبح الإنهيارات وبدء إنتشال البلد وحماية الحقوق الأولية للناس. والقناعة تتسع حول ضرورة إعادة بناء حالات إعتراض سياسي منظمة مرتبطة بالناس ومعبرة عن وجعهم، وأن هذا المنحى ليس أحد الخيارات بين أخرى، فيكاد يكون الوحيد، لا بل الممر الإجباري، لوضع الأساس لقيام جبهة سياسية معارضة، تبلور البديل السياسي بفرض حكومة مستقلة عن منظومة ناهبة وقاتلة، احتلت السلطة واستأثرت بمقدرات البلد وعاملت الناس على أنهم شعب زائد!
لذلك فإن رحلة الليموزين التي تلت طقوس اليرزة الإحتفالية ونقلت الثلاثي عون وبري وميقاتي إلى خلوة بعبدا، التي كسرت بعض الجليد بين بعبدا وعين التينة، لكنها لم تنجح في فكفكة العقد بدليل عبارة بري إثر الإجتماع “انشالله خير”! الأمر الذي يعني تكريساً لأزمة تغييب الموقع الرسمي للقرار، ببقاء تمترس أمل وحزب الله وراء مطلب “قبع” قاضي التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ قبل أي إستئنافٍ للعمل الحكومي. هذا الإستعصاء أملاه حزب الله نتيجة فائض قوته، ولم تتم أي محاولة من جانب القصر للمعالجة، لأن المقيم في بعبدا الذي أطلق السهام عن مسؤوليات التدهور على شركائه في المنظومة يراهن في العمق على أن منحى التعطيل، والإستثمار، كما كل المنظومة في وجع الناس، قد يفتح طريق التوريث وهو العنوان الوحيد الذي يفسر كل الممارسات الرئاسية! وهنا يشترك كل الجهات المتسلطة في المسؤولية عن ترك البلد يغرق أكثر فأكثر في شتى الإنهيارات من فقرٍ وإفلاس وعوز ومجاعة ومرض يقرع الأبواب وهجرة مفتوحة تهدد بتصحير البلد نتيجة خسارته قدرات كبيرة.
بالرغم من ذلك تردد أن ميقاتي بصدد توجيه دعوة إلى إجتماع لمجلس الوزراء بعد رحلته إلى الفاتيكان، أقله ليغسل يديه من وزر المراوحة القاتلة ويشيح الأنظارعن بدعة تتالي عقد جلسات مصغرة للوزراء وما تحمله من إنتهاك للدستور، ويريد من ذلك التغطية على كلِّ مطالبة له بالإستقالة بعدما باتت الحكومة جثة ممنوع دفنها! لكن حتى في مجرد الدعوة فإن بعبدا لن تجاريه لأنها روجت لفكرة محورها أن هذه المسألة مطروحة “لكن تحديد الموعد لم يحصل بعد”!
2- في السياق، عكس العرض المدني قبالة المرفأ، الذي رفع شعارات تدعو إلى تحقيق الإستقلال الحقيقي ومحاربة الفساد والناهبين، كما دعم المسار القضائي والعدالة ومحاسبة المسؤولين عن جريمة تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، ونظمته مجموعات يطغى عليها منظمات “آن جي أوز”، حالة الإنهاك التي يعيشها المواطن فكان الغياب الشعبي محسوساً، رغم الجهود التنظيمية والمشهدية الراقية، التي شارك فيها الكثير من الأفراد، وقد توزعوا على نحو من 50 فوجاً مدنياً! لقد نجحت قوى التسلط بإشغال الفئات الشعبية الواسعة، بأولوية البحث عن الغذاء والدواء والمحروقات، وما عادت هذه الأوساط المحاصرة بالجوع والمرض، تمتلك الوقت والقدرة على النزول إلى الساحات، خصوصاً مع تراجع الثقة وعدم القناعة بمشهدية تهبط من حين لآخر رغم صدق النوايا خلفها.
3- مع إعلان وزير الخارجية بوحبيب عن تسلم لبنان في موسكو الصور والأفلام الجوية التي سجلتها الأقمار الروسية والمتعلقة بتفجير مرفأ بيروت، فإن المهم الآن ودون أي إبطاء، تسليم هذه الصور والمواد الفلمية، إلى المرجع المختص وهو قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار، الذي يعرف بدقة من هي الجهات الفنية التي ينبغي الإستعانة بها، والتي ينبغي أن تعمل بإشرافه بحيث أن هذه المواد الفلمية قد تضيء على جوانب من مسارات التحقيق المتشعبة، وتقدم أجوبة على بعض الأسئلة. فحذار من التلاعب والإبطاء. هناك محقق عدلي يقوم بمهامه على أكمل وجه، بعيداً عن المحاولات الإجرامية التي تتستر بالقضاء وما يتيحه من حقوقٍ للمدعى عليهم، ولا هاجس حقيقياً لها، إلاّ حماية سياسيين وأمنيين مدعى عليهم بجناية “القصد الإحتمالي بالقتل” وجنحة الإهمال.