لبنان يحترق ليس صدفة!
البلاء الذي يواجهه الناس هذه الأيام، وحصار زنار النار من الجنوب الذي رمدوه، إلى بيت مري التي تحولت كرة نار، ووصولاً إلى الشمال وبعض البقاع، مساحات كانت خضراء الصنوبر والشربين والسنديان والزيتون تفحمت في ظلّ حكم الإجرام والتبعية!
أكمل زنار النار الحصار السياسي الخانق على البلد الذي تفرضه منظومة الإجرام المتسلطة التي تغطي إختطاف الدولة، حتى أن حكومة “معاً للإنقاذ” التي تأخر دفنها، ممنوعة من الإجتماع، ولهيب النار يلف المنازل ويصحر البلد، ليبدو أن العجز الرسمي، تأكيد للمؤكد من أن السلطة هي المتهم الأول بارتكاب أخطر جريمة بيئية!
الجفاف ليس بالأمر المفاجيء والحرائق الفصلية بين تشرين وتشرين تتكرر ولا من يتعظ، وأياً كانت الجهات المنتفعة، التي لن يكشفوا عنها، وراء تكرار هذه الجريمة، فإن إستنكاف الجهات الرسمية عن تحمل مسؤولية إدارة خطة طواريء للإنقاذ، ودعم الدفاع المدني والإطفاء وقد بذل هؤلاء الرجال الجهود الإستثنائية خلال ال48 ساعة الماضية. لكن الجريمة تضع كل هذه المنظومة في موقع الضلوع مع سماسرة نافذين، يتحركون وفق مصالح جهات سياسية لارتكاب هذه الجرائم البيئية، والتمادي بها، لأنهم يعلمون أن لاحسيب ولا رقيب على إجرامهم! بعضهم بالحد الأدنى سماسرة الإتجار بالحطب تتمة للإتجار بالمازوت.. والبعض الاخر يهدف أساساً إلى وضع اليد على مساحات عقارية، فيما طغت جنوباً معطيات حيال بعض الحرائق، لا سيما في وادي زبقين ومحيطها، بأنها تندرج في سياقٍ آخر يهدد بعض الإستخدامات في المنطقة!
2- هل يمكن تخيل حجم العجز الرسمي لا بل التآمر على المصلحة الوطنية؟ بعد كل هذا الوقت الذي مرّ على القرار السعودي والخليجي بسحب السفراء والدفع إلى عزلة سياسية تاريخية، وما رافقه من إجراءات أوقفت الإستيراد من لبنان، ومن ثم القرار الكويتي بوقف كل التأشيرات، والإجراء الذي بدأ منذ الأمس بوقف “التحويلات الخيرية”(..) لأنه لا يعرف بدقة كيف يتم استخدامها..، وحتى الآن تستنكف السلطة السياسية، في الحكم والحكومة وحملة أختام، عن أي إجراء أو تدبير، فلا وجود لأي تحرك يضبط الحدود والثغور لحماية البلد أولاً، ولا وجود لحكومة تتحمل المسؤولية والبداية إقالة السفيه الذي يطالب بضمانات! والأنكى أن النجيب يراهن على دور قطري وآخر تركي لتسهيل دعوة مجلس الوزراء للإنعقاد!
3- لكنهم، من خلف الحرائق يعدون العدة للإنقضاض على العدالة وعلى مسار التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ وبيروت، ويحيكون الدسائس لإبعاد القاضي طارق البيطار! لقد تسربت معطيات خطيرة مفادها أن هيئة محكمة التمييز، التي تبحث البت بمسألة المرجع المؤهل للنظر في دعاوى مقاضاة الدولة، قد تقدم على أخطر قرار يطيح بالحقيقة والعدالة، إذ تمارس الضغوط لنزع ملاحقة السياسيين من قبل القاضي البيطار، كما يُسرب معطيات عن مقايضة مدبرة تطيح بالبيطار مقابل إحياء جلسات مجلس الوزراء!
وقد لفت الإنتباه لهذا المنحى الخطير، الذي يعني دمار بيروت فوق أهلها مرة ثانية، ما قاله نبيه بري إلى جريد ة النهار، وينطبق عليه القول المأثور “كاد المريب..”: أنا مع تطبيق القانون والدستور لا زيادة ولا نقصان. وأدعو الجميع إلى القراءة في كتابٍ واحد، ومن دون السير على هذا المنوال فإن البلد ومؤسساته تصبح مهددة، لو طبقنا الدستور وقام القضاء بواجباته ضمن القواعد الموضوعة لسارت أمور المواطنين في الشكل المطلوب وانعكس الأمر إيجاباً على الحكومة ومعاودة جلساتها وانطلقت عجلة المؤسسات”!
لقد استباحوا كل المؤسسات، والآن يجري التحضير للإنقضاض على القضاء، بإحكام الإقفال على منحى انتزاع استقلاليته، فتتم تغطية جريمة تفجير بيروت الإرهابية، وتطوى كل الصفحات التي يمكن للقضاء يوما أن ينهض بها لاسترجاع المنهوب والحقوق وحماية الكرامات!
4- تحرير السلطة وتحرير البلد من الفساد المستمر والمستشري، ومن الإستتباع للمحور الإيراني، واستعادة الدولة المخطوفة بالسلاح، أمور آن الأوان لتكون نصب أعين التغييرين وهم أكثرية لبنانية موصوفة. والإعداد للإنتخابات، إن لم يفرضوا تأجيلها كما تدل بعض المؤشرات، ينبغي أن تتحول كرة ثلج لبناء ميزان قوى آخر يعكس الإرادة والقوة، لمنع إقتلاع البلد واستعادته وانتشاله، بفرض حكومة مستقلة عن منظومة الفساد قادرة على القرار وتحمل المسؤولية. والنشاطات اللافتة إنتخابياً، يمكن أن تكون مبشرة مع بلورة قناعة أن الإنتخابات محطة بالغة الأهمية، لكنها ليست نهاية العالم، بل ينبغي وضعها في سياق “17 تشرين” التغييري، الذي يفترض السعي لبلورة جبهة سياسية معارضة تفرز البديل السياسي.
بهذا السياق كانت لافتة وهامة جداً مشهدية كفرحزير يوم أمس، جمع شبابي من الأقضية الأربعة الكورة والبترون وبشري وزغرتا: “شمالنا”، أعلنوا عن إئتلاف إنتخابي يستند إلى برنامج سياسي ينطلق من عنوان بسط السيادة دون شريك ويتمسك بالدستور واستقلالية القضاء. مهم الحدث، وما أعلن لا فت، والتحدي أن يُستكمل ويجمع الموجوعين وهم كثر، والتنبه للمتسلقين والحذر منهم فهم كالفطر، ليشكل شيء من دليل عمل في المرحلة المقبلة. وردة للصبايا والشباب في “شمالنا”.