1. Home
  2. لبنان
  3. هذا ما خسره لبنان
هذا ما خسره لبنان

هذا ما خسره لبنان

38
0

تعتبر العلاقات اللبنانية-الخليجية نموذجياً مثاليّاً على مدى قوّة وصلابة الروابط الأخوية التي تحكمها، فعلى مرّ التاريخ كانت وما تزال دول الخليج العربي تحرص على دعم لبنان الدّائم سواء عبر الحفاظ على وجوده وكيانه واستقراره أو من خلال المساعدات المالية والاستثمارات والمشاريع الضخمة واحتضان مئات الآلاف من أبنائه الباحثين عن مستقبل آمن ومصدر عيش كريم. وعلى الرغم من هذا الترابط المتين، إلاّ أنّ هذه العلاقات تتعرّض منذ سنوات عديدة إلى الكثير من التشويش والتوتر كان آخرها الأزمة الدبلوماسية المستجدّة مع المملكة العربية السعودية التي وضعت لبنان على منعطف خطير قد يغرقه في قطيعة دبلوماسية وسياسية واقتصادية مع معظم الدّول الخليجيّة.

من المؤكد أنّ هذه الأزمة شكّلت ضربةً ونكسةً إضافيّة للوضع اللبناني الحرج، حيث أنّ تداعياتها السلبية ستشمل كافة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وستلحق الضرر بالكثير من القطاعات الحيوية وهذا ما أشارت إليه دراسة مفصّلة بالأرقام والبيانات العلمية قام بإعدادها المركز التقدّمي للدّراسات من أجل تقييم موضوعي لآثار الأزمة. فقد أشارت الدراسة إلى أنّ المملكة العربية السعودية حافظت على موقعها كأول مستثمر في لبنان إذ بلغت قيمة استثماراتها في العام 2010 حوالي 8 مليار دولار موزّعة على القطاعات العقارية والمصرفية والسياحية والصناعية. في المقابل، لا يوجد بيانات رسمية توثّق قيمة الاستثمارات اللبنانية في السعودية إنّما تظهر أدنى التقديرات على وجود استثمارات لا تقل قيمتها عن 10 مليارات دولار أميركي.

كما أظهرت الدراسة أنّ دول الخليج العربي وفي مقدمتها السعودية شكّلت المقصد الأول للبنانيين الراغبين في العمل، فعلى مرّ حقبات مختلفة تميّزت الفئة التي انتقلت إلى الخليج بعمرها الشاب نسبياً وبامتلاكها مؤهلات علمية ومهنية رفيعة. وقد شكّلت الأزمة الحادة التي عصفت بالبلاد حافزاً لسفر آلاف حملة الشهادات العليا من أطباء وأساتذة جامعيين ومدرسين وممرضين وغيرهم إلى العديد من دول الخليج وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. هذا ويقدّر عدد اللبنانيين المقيمين في دول الخليج على النحو التالي: المملكة العربية السعودية (200,000) ، الإمارات العربية المتحدة (100,000 )، دولة الكويت (40,000) ، إمارة قطر(50,000 ) ، سلطنة عمان (4,000 ) ، مملكة البحرين (9,000) . مع الاشارة إلى أنّ هذا التعداد لا يشمل اللبنانيين الأصل المقيمين في الخليج على أساس جنسيات أخرى.

وفيما يختصّ بالتحويلات الماليّة الى لبنان، أشارت تقديرات “مجلس الأعمال اللبناني السعودي” إلى أنّ مجمل التحويلات يبلغ نحو 4.5 مليارات دولار سنوياً، نصفها تقريباً يأتي من الجالية اللبنانية في السعودية، أي ما يقارب المليارين والـ250 مليون دولار سنوياً. وتأتي هذه التحويلات عبر المصارف اللبنانية وعبر مؤسسات التحويل المالي أو محمولة مباشرة مع المسافرين. كما ويتبيّن أن مصدر ما يزيد عن 35 في المئة من التدفقات المالية لتحويلات المغتربين إلى لبنان هو المملكة العربية السعودية والتي بلغت وحدها عام 2020 نحو 6.3 مليارات دولار. أمّا على الصّعيد السياحي، فيعتبر السائح الخليجي الدّاعم الأول للقطاع السياحي في لبنان، إذ شكّل الإنفاق الخليجي وحده ما يوازي 65 في المئة أي 3.25 مليار دولار من قيمة الإيرادات السياحية والتي تخطّت الـ5 مليار دولار عام 2010، في حين شكّل السائحون السعوديون حتى العام نفسه العدد الأكبر بنسبة بلغت 22 في المئة من مجمل السوّاح.

من ناحية أخرى، عرضت الدراسة أنّه بين الفترة الممتدّة من 1/1/2012 إلى 31/3/2021 بلغت الصادرات إلى دول الخليج ما نسبته 26 في المئة من مجمل الصادرات اللبنانية بقيمة فاقت الـ 8,027 مليار دولار إذ أنّ 45 في المئة من الصادرات الصناعية اللبنانية تخصّص لسوق الخليج. فعلى سبيل المثال، تشكّل فئتي الخضار والفواكه ما يزيد عن 35 في المئة من صادرات لبنان إلى الخليج، كما تساهم في تفعيل قطاع الزراعة إذ تحتلّ هذه الصادرات إلى دول الخليج الخمسة (المملكة العربية السعودية، الامارات العربية المتحدة، عمان، البحرين وقطر) النسب الأولى ( 16.56 في المئة، 6.19 في المئة، 9.85 في المئة، 71.2 في المئة و2.00 في المئة) على التوالي من الصادرات بفارق كبير عن باقي الدول بحيث بلغ مجموع التصدير إلى دول الخليج ومصر نحو 414,095,000 مليون دولار من أصل 740,557,000 مليون دولار أي بنسبة وصلت إلى 55.92 في المئة. هذا وتتصدّر أهم قطاعات زراعة الفواكه كالعنب والحمضيات والتفاح والكرز والخرما والمشمش والدراق والقشطة والإجاص المكان الأول في التصدير تجاه دول الخليج ومصر. لذلك، فإنّه يتخوّف من احتمال إقفال الأبواب أمام الصادرات اللبنانية إلى الأسواق الخليجية، بحيث تؤدّي إلى كارثة تقضي على ما تبقى من قطاع زراعي وتودي بكافة العاملين في هذا القطاع إلى هاوية الفقر المدقع والبطالة.

وفي الختام، سلّطت الدراسة الضوء على المساعدات الدوليّة للبنان وأكّدت على الدّور الفعّال الذي تلعبه دول الخليج واصفةً إيّاه بالرّافعة الأولى للاقتصاد اللبناني وذلك من خلال قيامها بالكثير من المشاريع العامة أو مساهمتها بتأمين تمويلها، بالاضافة إلى اعتبارها من أبرز المساهمين في المؤتمرات الدولية التي خصّصت لدعم لبنان.

إنطلاقاً من هنا، لا يمكن لأي خطة للتعافي والنهوض بالاقتصاد أن تبصر النور أو تدخل حيّز التنفيذ من دون مساهمة أساسية من دول الخليج سواء كانت مباشرة أو عبر صندوق النقد الدولي أو في مؤتمر سيدر. ومع الإخفاق في جميع المساعي لمعالجة هذه الأزمة، يتّجه لبنان إلى خسارة جناح دعم رئيسي لا يمكن استبداله أو تعويضه في أكثر وأصعب وقت يحتاج فيه إلى مساندة ومساعدة أشقائه العرب.