ويتدهور وضع لبنان وينحدر من قعرٍ إلى قعر، ليتربع في المركز 184 على 209 بين أكثر البلدان الغارقة في الفساد! وتتدهور معيشة الناس الذين يواجهون منفردين، عُزّل من كل شيء، كم كبير من الانهيارات الحياتية والإقتصادية والمالية، ويدفعون ثمن السياسة الإستعلائية التي فرضها حزب الله، بإلحاقه البلد قسراً بمحور الخراب، مستفيداً من تغطية غير مسبوقة من القصر ومنظومة الفساد..، ويدفعون ثمن ارتهان طبقة سياسة مارقة لا تجيد إلاّ الضجيج والشعبوية والرقص فوق ركام المؤسسات وأنقاض البلد وإدعاء القوة: الحكم القوي والهيبة وكرامة السياسيين(ممنوع الضحك)..
وفيما تبرز أولوية القصر تحويل رئيس الحكومة، النجيب، إلى مستوى رئيس اتحاد بلديات، ويتظهر الأمر في الممارسة اليومية من استدعاء الوزراء إلى القصر، إلى استدعاء ميقاتي ذاته كي يطلع عون على “نتائج إجتماعاته مع اللجان الوزارية ومضمون اتصاله مع صندوق النقد الدولي”! وسبق ذلك كله أنه في مسألة التفاوض مع صندوق النقد إكتفى مجلس الوزراء بأخذ العلم أن عون أجاز تشكيل لجنة التفاوض، ولم يسجل أي إعتراض، فيما القرار يعود إلى مجلس الوزراء دون سواه!
أمام الممارسات الصلفة الشديدة الوطأة والغلاظة على الضعفاء وأصحاب الحقوق، تهدد العشوائية والإهمال المتراكم بإقفال مستشفى بيروت الحكومي (الحريري) كنتيجة لتجاهل حقوقاً مستحقة، لمن كانوا في الصف الأمامي في معركة الدفاع عن الناس أمام الوباء! يعلن الإضراب وتبدو المستشفى أمام خطر الإقفال وهي التي قدمت المثل لما يمكن أن يقوم به القطاع العام لو توفر الحد الأدنى فقط.. والسؤال أين فراس أبيض وزير الصحة الذي كان المدير العام للمستشفى؟ والأمثلة تتلاحق، ويبقى السعار الأكبر لمنظومة الفساد موجه ضد الحقيقة والعدالة في جريمة تفجير مرفأ بيروت، بين الامتناع عن الإمتثال أمام المحقق العدلي أو معاكسة الجهات الرسمية، من وزارة الداخلية إلى النيابة العامة التمييزية، لكل القضايا المرتبطة بالتحقيق!
2-يسابق المحقق العدلي طارق البيطار الزمن، غير عابيء بالسخونة السياسية ضد المضي بالتحقيق، فهو مباشرة بعد إسقاط محكمة الإستئناف دعوى رده استأنف مهماته في قصر العدل، وحدد جلسات للتحقيق مع النواب علي حسن خليل ونهاد المشنوق وغازي زعيتر الأسبوع القادم، في 12 و13 الجاري وهي الفترة القصيرة الفاصلة عن بدء العقد الثاني للمجلس النيابي في 19 تشرين أول الجاري، أي قبل أن يستعيد هؤلاء النواب الحصانة بشكلٍ تلقائي! وحدد موعد التحقيق مع حسان دياب في 28 منه، وبالمقابل يستعد النواب لإثارة المزيد من الشكاوى لعرقلة التحقيق، مستفيدين من دعم السلطة وحزبها، وبهدف خطير ألا وهو تعميم ثقافة تحطيم الثقة بالقضاء وبالعدالة، رغم شجاعة قاضي التحقيق العدلي وما قدمه للبنان وللعدالة عندما ادعى بالجناية على طبقة سياسية مارقة! لذلك يضغط بيطار للتأكيد أنه في لبنان يمكن أن يستعيد القضاء استقلاليته رغم الاستقواء وموجة التهديد والوعيد والسعي المتواصل إلى شيطنة التحقيق!
والأمر اللافت الذي برز أمس أظهر أن البيطار قرر إبلاغ المدعى عليهم “لصقاً” من خلال المباشرين القضائيين، بعدما امتنع الوزير المولوي عن تنفيذ هذه المهمة، متجاوزاً حد القانون، إذ استند وزير الداخلية في خطوته لإعاقة التحقيق العدلي إلى القانون رقم 17 تنظيم قوى الأمن الداخلي الذي صدر سنة 1990، متجاهلاً أن هذه المادة 147، ملغاة بالمادة 428 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر عام 2001! وبهذا السياق ترى جهات مطلعة أن وزير الداخلية المولوي، سيكرر الموقف الذي اتخذه سلفه محمد فهمي ويمتنع عن منحالقاضي بيطار إذن ملاحقة اللواء عباس إبراهيم، ومعروف أن البيطار كرر استدعاء كلٍ من اللواء ابراهيم واللواء طوني صليبا رئيس جهاز أمن الدولة!
3-وتتراكم الملفات، والأهم ماذا مع صندوق النقد؟ ونكتفي بهذه العجالة إلى الإشارة إلى ما أورده اليوم د غسان عياش النائب السابق لحاكم مصرف لبنان، تحت عنوان لبنان وصندوق النقد، مذكراً بالمؤرخ كمال الصليبي، فكتب عن “وفدٍ بمنازل كثيرة”! في إشارة إلى تركيبة الوفد البالغة الخطورة! ومعروف أن لا اتفاق على “أرقام ” الخسائر والجهات التي يجب أن تتحملها، فيما واقعياً يستمر منحى تحميل المودعين وزر المنهبة! وبالتزامن أورد الوزير السابق عادل الأفيوني تساؤلات جدية عن أبعاد المزج بين الدولة ومصرف لبنان في المفاوضات مع الدائنين، لأن الأمر سيقضي على أصول الدولة والذهب! وقرع الجرس محذراً من خطر استخدام أصول الدولة لتعويض ودائع المصارف، بينما على الدولة أن تتحمل المسؤولية مباشرة حيال المودع.
4-وبعد، أمام مجلس الوزراء في جلسته المقبلة مراسيم تقضي بإحتفاظ 4 وزراء بوظيفتهم في ملاك الدولة، بينهم 3 قضاة. القرار خطير جداً بعدما رأت جهات قضائية أنه لا يجوز لهم التشريع لأنفسهم بما يناقض الأعراف، والفصل بين السلطات، ولا أحد يعلم كيف سيتخذ هذا القرار وهل هناك وزير ما سيرفضه إحتراماً للقضاء كسلطة مستقلة! نعم ينبغي أن يكون القاضي بعيدا عن تعاطي الشأن العام، لأنه من غير الجائز أن يكون ممثلاً لطرفٍ سياسي في الحكومة، ولاحقاً يمكن أن يعود إلى موقعه ليحكم بين متخاصمين يصدف أنه من خلال منصبه الوزاري كان على علاقة بقسم منهم! خطير هذا المنحى الذي يكرس استتباع القضاء ويرفض استقلاليته، ومعروف جيداً أن القرارات اللاحقة لمن سيسري عليه هذا الأمر، أي القاضي الوزير اليوم والعائد غداً إلى القضاء، ستدخل حتماً في “ارتياب مشروع” وينبغي ألا يعود مطلقاً إلى السلك كل من قبل المنصب صوناً للعدالة ولدور القضاء!