لأنه هكذا، كان على مجلس المطارنة أن يصدر بالأمس نداء تاريخياً يذكر بنداء أيلول العام 2000 الذي طالب بخروج جيش الإحتلال السوري، فحذر أمس /ن أن “لبنان على مشارف الزوال، وأن ثمة قوى إقليمية وقوى محلية تابعة لها وراء ذلك”. ودعا النداء شعب لبنان “للتصدي يكل ما أوتي من قوة ومهما بلغت التضحيات لأن القضية قضية مصير وبالتالي قضية حياة أو موت”. واللافت أن هذا الموقف الهام بدا على طرفي نقيض مع طروحات عديدة صدرت في الآونة الأخيرة عن البطريرك الراعي، وإن كان قد سبق له في 5 تموز 2020 أن طالب عون بتحرير الشرعية!
أمضى الرئيس 58 شهراً في القصر من أصلها 23 شهراً من الفراغ الحكومي أي ما يعادل 40% من إجمالي جلوسه على مقاعد الحكم الوثيرة، وهناك بعد من يسأل كيف حدث كل هذا الإنهيار؟ ولمصلحة من؟
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم كم على اللبنانيين أن يدفعوا بعد من الفواتير ثمناً لمشروع حزب الله مقابل هذه الكرسي؟ ولماذا لا يلتفت الحاكم سعيداً إلى مآسي اللبنانيين المتأتية عن ذلك؟ وهل صحيح أن بقية أطراف منظومة الفساد لا حول لهم ولا طول، أبرياء من كل الإرتكابات بحق البلد وأهله ومن نهج إذلال الناس؟ فيما هم في موقع الشراكة مع الدويلة وساهموا في تغطية ممارساتها الآيلة إلى تغيير وجه لبنان؟
تدخل فخامته بكل شاردة وواردة، حتى في مسألة مثل حراس الأحراج، لكنه امتنع عن التدخل في موضوع شحنة “نيترات الأمونيوم” وكانت المخاطر ماثلة في التقرير الذي تسلمه ولم يتابعه على أي مستوى من المستويات! ومخيفة تداعيات الإمتناع عن تأليف حكومة وهذا الإرتياح إلى بقاء الشغور في السلطة التنفيذية طيلة 359 يوماً إنقضت على إطاحة جريمة الرابع من آب بحكومة حسان دياب الكرتونية والتي سجلت أعلى الأرقام القياسية في الإساءة إلى مصالح الناس وحقوقهم!
اليوم وفي الساعات الآتية، سيكون عون أمام تحدٍ مختلف، ألا وهو هل سيوقع مراسيم ولادة حكومة البدع التي نسج خيوطها الميقاتي؟ هل يريد حكومة يمكن أن تفرمل جزئياً الإنهيار؟ لكن ينبغي الانتباه جيداً أنها “لن تشيل الزير من البير” رغم وجود بعض الأسماء ذات المقبولية بين أعضائها! وبعبارة أخرى هل سيوقع عون مراسيم حكومة بدون “ثلث معطل” تمكنه من التحكم بالقرار الحكومي؟ وقد تبين أن التراجع عن الثلث المعطل تم التوصل إليه وفق صيغة هجينة جداً تقوم على أن تسمية آخر وزيرين مسيحيين قامت على طلب التزامهما “بعدم الانحياز خلال مراحل التصويت داخل مجلس الوزراء إلى أي فريق واعتماد النأي بالنفس”! تخيلوا هذا الإنجاز وأبعاده؟ مع العلم أن سابقة الوزير الملك حسين السيد حسين يمكن أن تتكرر بأي لحظة! لكن ووفق قاعدة “لا تقول فول حتى يصير بالمكيول” ما زال التأليف يراوح وفق ما تردد “بين حدي استعصاء الأسماء واستعصاء الخلاف السياسي المعبر عنه في البيان الذي صدر عن مصادر رؤساء الحكومات السابقين”!
وفي سياق “الإنجازات” الكبرى هناك في المطبخ الإعلامي الرئاسي من أحب أمس أن يخبر اللبنانيين أن الوفد الأميركي الزائر الذي تباحث مع عون “نوه بدوره النضالي من أجل السيادة والحرية والاستقلال وبالحكمة التي يدير بها شؤون لبنان”، هكذا بالحرف مع تجاهل كل ما أدلى به السيناتور كريس مورفي الذي تحدث عن الأسى من مشهد الطوابير على محطات الوقود والانقطاع الدائم للتيار الكهربائي، فيما اتهم السيناتور بلومنتال حزب الله بأنه سرطان متفشٍ يجب إستئصاله، وشدد على أنه لا ينبغي على لبنان الإعتماد على إيران لحل أزماته خصوصاً في باخرة الفيول! وبين هلالين قالت طهران أن الباخرة إياها باتت في المياه الإقليمية السورية والحديث أنها ستفرغ حمولتها في بانياس!
وبعد، فإن دعوى “الارتياب المشروع” ضد القاضي غسان خوري، المحامي العام الإستئنافي الذي حل محل القاضي غسان عويدات المتنحي عن ملف جريمة تفجير المرفأ، هي الحدث اليوم الذي سيوفر الدعم الضروري لمسار العدالة والحقيقة بعد استشراس أبرز رموز المنظومة، خصوصاً نصرالله وبري والحريري، بعد الفرزلي وابراهيم ورؤساء الحكومات إلى أبواقٍ إعلامية معروفة استهدفت كلها قاضي التحقيق العدلي طارق بيطار، وشككت بنزاهته. إن دعوى النقابة وهي أبرز ممثل لحقوق ضحايا جريمة تفجير المرفأ وبيروت، يراد منها وضع حدٍ لانحياز الموقع القضائي الكبير، إلى المدعى عليهم بجناية القتل، والقفز فوق نتائج الجريمة والضحايا والدماء التي أهرقت، وفوق ذلك تجاهل الحق العام المفترض أنها الأحرص على الدفاع عنه.
بالسياق تأكد أن الوزير السابق يوسف فنيانوس تبلغ موعد امتثاله أمام القاضي بيطار كمدعى عليه والموعد في السادس من الجاري، والإمتناع قد يؤدي إلى مذكرة إحضار بشأنه. واليوم ومع هذه التطورات وأمام شهر عاصف بشأن التحقيقات بجريمة تفجير بيروت، آن أوان تنظيم كل أشكال التحركات الضاغطة لحماية مسار العدالة والتصدي لاستهداف قاضي التحقيق الذي تحول إلى رمز كبير ويضع البلد على خطواته الرهانات الكبيرة.