“كلنا ضحايا والمجرم واحد” كان الشعار الذي رفعته المسيرة الإحتجاجية لأهالي ضحايا المرفأ في يوم 8 آب ذكرى الارتكابات الكبيرة ضد المحتجين في العام الماضي! المجرم واحد وسقط التمويه الذي ساد طويلاً أنه حتى الضحايا شركاء للمجرمين. التظاهرة أدانت إصرار السلطة بكل أطرافها على طمس التحقيق، وأعلن المحتجون الدعم المطلق لقاضي التحقيق العدلي طارق بيطار.
انطلقت المسيرة من أمام النهار باتجاه المدخل رقم 3 للمرفأ، وسط هتافات تطالب بإسقاط الحصانات لكشف حقيقة الجريمة ضد بيروت، وجددوا المطالبة بالعدالة وإحالة كل المدعى عليهم بالجناية على القضاء، من نواب ومسؤولين وقادة عسكريين وأمنيين. وعبروا في كل محطات المسيرة التي اتجهت لاحقاً نحو مارمخايل، عن الإصرار على المطالبة بتسليم القتلة إلى القضاء، سائلين قاضي التحقيق العدلي طارق بيطار “عدم الخوف أو التراجع والمضي قدماً في سبيل إظهار الحق وإجلاء الحقيقة”. وبدت المسيرة على طرفي نقيض مع حملة أمين عام حزب الله، الذي وجّه الاتهامات ضد قاضي التحقيق محدداً له المسموح والممنوع وفوق ذلك توجه إلى الأهالي قائلاً: إذا كنتم تريدون معرفة من قتل أولادكم تظاهروا ضد قاضي التحقيق وطالبوه بكشف التحقيق التقني! ومعروف قانونياً وقضائياً أنه لو رضخ قاضي التحقيق لمثل هذا الطلب يكون قد تم الخضوع لتقديرات أمنية، وأنه لا لزوم لتحقيق عدلي ولا عدلية، ما سيضلل الرأي العام ويفرمل التحقيق وينهيه!
بالتوازي مضى قاضي التحقيق العدلي في خطواته وأبرز القرارات أنه حدد يوم 20 الجاري موعداً للمدعى عليه الوزير السابق للأشغال يوسف فنيانوس، كما حدد يوم 26 الجاري موعداً للمدعى عليه حسان دياب رئيس حكومة تصريف الأعمال. وبدا في ذلك إعتزام القاضي بيطار المضي قدماً في المهمة التي وضعت على أكتافه غير عابيءٍ بالتهويل والتحدي، وأنه لن يتأخر عن متابعة تحقيقاته واستدعاءآته. وبالرغم من تلاحق الأحداث من الجنوب إلى مناورات قصر بعبدا، لم تنجح كل محاولات التغطية على الحدث الكبير الذي شهده لبنان يوم 4 آب، والذي اظهر تكاتفاً شعبياً هائلاً عنوانه جلب المدعى عليهم بجناية “القصد اإحتمالي” بالقتل إلى المحاسبة، ووضع حدٍ لزمن الإفلات من العقاب، وحمل اليوم الكبير دعماً غير مسبوق لقاضي التحقيق العدلي الذي في كلِّ أدائه اعتبر حصانة الدم والحقيقة والعدالة أولويته المطلقة.
وما زال في الواجهة الحدث الجنوبي والمضي في ارتهان لبنان ورقة في الأجندة الإيرانية، وكان البارز رفض البطريرك الراعي مصادرة قرار الدولة وإمساك حزب الله بقرار السلم والحرب خارج قرار الشرعية والقرار الوطني. مذكراً أن لبنان مرتبط باتفاق الهدنة لعام ال1949 وليس من مصلحته التورط بأعمالٍ عسكرية تستدرج ردوداً إسرائيلية هدامة. ولفت المتابعين مطالبته للجيش اللبناني بالتعاون مع “اليونيفل” ضبط الوضع في الجنوب ومنع إطلاق الصواريخ من لبنان، لا حرصاً على سلامة إسرائيل بل حرصاً على سلامة لبنان. وكالعادة هاجم الزباب الآلكتروني المواقف التي أعلنها الراعي وأطلقت الهشتاغات من نوع: “راعي الانحياز” و “راعي الاستسلام” وأن موقف رأس الكنيسة المارونية لا يختلف عن موقف رأس الدولة العبرية(..)، وانضم الحزب القومي إلى جوقة التهجم فاعتبر الحياد خيار المستسلمين إلخ..
وبعد، لا حكومة وحتى اللحظة لم يحدد القصر موعداً للقاء جديد مع الرئيس المكلف الذي بات يواجه باكراً ما واجهه سلفه..غير ان البارز أنه لو تم جمع طلبات القصر لتبين أن الموضوع تجاوز الثلث المعطل إلى الرغبة الجامحة بالاستئثار الكامل بالحكومة، وخصوصاً إلى الداخلية والعدل الحقائب الخدماتية. وآخر طلبات القصر هي حقيبة الشؤون الإجتماعية إنطلاقاً من ان لبنان سيتلقى مساعدات خارجية بعدما باتت أكثرية المواطنين تحت خط الفقر، وأن المساعدات ستمر حتماً عبر هذه الوزارة، فبات أحد هواجس فريق القصر تحويل هذه الحقيبة إلى مكتب انتخابي، يتحكم بالمساعدات وبلقمة اللبنانيين، أملاً بأن ذلك هو المفتاح لتعويم النائب جبران باسيل وتياره! وبانتظار تمكن القصر من إملاء شروطه أو إعتذار ميقاتي وهو أمر مرجح، يمارس القصر كل السلطة من خلال المجلس الأعلى للدفاع مكرساً تجاوزاً خطيراً للدستور بنقل الصلاحيات من مجلس الوزراء إلى مجلس الدفاع، وإلزام وزراء تصريف الأعمال بتنفيذ ما يتخذ من تدابير!
هذا السلوك السياسي الخطير، يعزز مظلومية ويفاقم التحدي الملقى بوجه مكون كبير في البلد، ويراهن على الدفع نحو تطييف الصراعات فيكون متاحاً للممسكين بالسلطة تطويق الشارع والمناخ التشريني الذي جاء الرابع من آب ليؤكد على عمقه وتجذره، والإصرار الواسع على إقتلاع منظومة الفساد كاملة. والأمر الأكيد أن القصر ما كان ليندفع في هذه الممارسة، لولا دعم الدويلة، التي تظن أن اتساع شقة الخلاف الطائفي هذه، تبقي الأمور تحت السيطرة أكثر من تظهير الخلاف الشيعي السني!
القاسم المشترك بين كل أطراف منظومة الفساد، وخصوصاً الممسكين بالسلطة، هو تجاهل الجميع حجم الانهيارت وتفاقم المآسي في البلد وإدارة الظهر للحد الأدنى من حقوق الناس ومطالبها.. وتظهر كل المعطيات، تراجعاً كبيراً في توفير كل السلع الستراتيجية لبقاء القليل من الاستقرار، عنيت بذلك المحروقات والخبز والسلع الغذائية الرئيسية أما الدواء فيتقدم بشكلٍ مريب مخطط إغراق البلد بالدواء السوري بعد الإيراني، وهي أدوية لا تحوز موافقة منظمة الصحة العالمية ومنظمات الدواء الدولية..وتوازياً يستمر البطء في حملة التلقيح ضد وباء كورونا وعادت الإصابات ترتفع، وعدم الأخذ بتحذيرات كبار الأطباء الذين تخوفوا هذا الصباح مع د فراس أبيض من أن المزيد من الأسى ينتظر اللبنانيين، فنرى هاجس حكومة حزب الله إبرام صفقات بزنس مع الروس لانتاج لقاح سبوتنك لايت وسواه!
يتاجرون بالرغيف وحياة المواطنين وبقاء هذه المنظومة في السلطة يفاقم يوماً بعد يوم الأثمان على كل المواطنين.