على مسافة 9 أيام من الرابع من آب، وبعد 356 يوماً على جريمة الحرب ضد بيروت وأهلها، تمعن منظومة النيترات المتحكمة في نهجها الإجرامي. أبرز هواجسها إخفاء الأدلة، وأول الأهداف التغطية على المرتكبين، بتأمين الحماية للنواب المدعى عليهم المشنوق وخليل وزعيتر، ومعهم دياب رئيس حكومة تصريف الأعمال دياب وفنيانوس الوزير السابق، والمخطط تهريبهم من المثول أمام قاضي التحقيق العدلي طارق بيطار، بزعم تحويلهم إلى مجلس وهمي غير موجود لمحاكمة الرؤساء والنواب!
نواب النيترات، الذين وقعوا عريضة العار، باتوا في موقع الشركاء في جريمة الإبادة الجماعية، وجريمة تدمير بيروت. يتلطون خلف الحصانات، ويسرعون خطواتهم لنحر الحقيقة واستبعاد المحاسبة، ويضعون اللبنانيين أمام كوميديا سوداء: المدعى عليهم بجناية “القصد الاحتمالي” بالقتل وجنحة الإهمال، يختارون بأنفسهم لجنة تحقيق نيابية! وفي أذهانهم القدرة على التشويش على التحقيق العدلي، والتأثير على القرار الاتهامي المفترض إعلانه في أيلول القادم!
من اليوم، لا أولوية تفوق تعرية هؤلاء النواب، على امتداد لبنان وخصوصاً أمام ناخبيهم، ولا أولوية تفوق معركة إسقاط العريضة، ومعركة جلب المدعى عليهم من سياسيين وعسكريين إلى التحقيق، حتى يكون الجميع سواسية تحت سقف القانون، لنضع حداً لزمن الإفلات من الحساب والعقاب!
في الطريق إلى الذكرى السنوية الأولى للجريمة ضد الانسانية التي استهدفت بيروت، تبقى أولى أولويات المواطنين، كنس الاستمرار في النهج الإجرامي الذي لم يلتفت رموزه لحياة الضحايا، وما زالوا يستخفون بالأرواح التي أُزهقت من خلال الإصرارعلى تغطية فرار المشتبه بهم من العدالة في أخطر جريمة ضربت لبنان في كل تاريخه.
من اليوم، لن يكون 4 آب مجرد ذكرى للجريمة ويوم صلاة عن أرواح الضحايا، فالتظاهرات التي ستنطلق من نقاط مختلفة من بيروت باتجاه المرفأ ومن ثم محيط مجلس النواب، حيث يحاك الفصل الجديد من المؤامرة، تهدف إلى جعل الذكرى، بداية لمحطة نضالية في سياق معركة اللبنانيين دفاعاً عن حقوقهم بالعدالة والمساواة، وعنواناً محورياً في سياق دعم المسار القضائي، بعد الخطوات الشجاعة التي اتخذها قاضي التحقيق العدلي من أجل الحقيقة والمحاسبة والعدالة.
وبعد، “ميقاتي الثالث”، سيكون رئيساً مكلفاً مساء اليوم باغلبية نيابية تتجاوز ال70 صوتاً، لكن لا يمكن الجزم بحظوظ اختراقه حواجز التعطيل المنصوبة من القصر وتياره، رغم ما قيل عن إيجابيات أمنها العشاء “الودود” الذي جمع السبت ميقاتي وباسيل دون أن يصل إلى تأييد التكليف. وفي المعطيات يحوز ترشيح ميقاتي دعم المرجعية الأقوى للسنة نيابياً وقد خرج التأييد من بيت الوسط، ويحوز التأييد الشيعي الأوسع من جانب الثنائي إلى كلِّ الحلفاء، فيما ستمتنع كتلة القوات اللبنانية عن التسمية معلنة أن هذه الأكثرية لن تؤمن الحلول وأن المطلوب انتخابات نيابية سريعة تعيد تكوين السلطة! ويحوز ميقاتي على دعم فرنسي وتشجيع أميركي وتكثر الرهانات عن أن الحكومة الجديدة ستبصر النور قبل ذكرى الرابع من آب! ومن باريس لفتت جهات رئاسية أن أي تعطيل سيتحمل عون مسؤوليته وستكون العقوبات على المعرقلين بالمرصاد!
لكن الأكيد أن منظومة الفساد باختيارها الميقاتي، تريد أن توجه رسالة إلى اللبنانيين بقدرتها على إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 17 تشرين، وأنها قادرة على إعادة تدوير نفسها وأنها ما زالت قوية. وها هي تستخدم الديموقراطية المزيفة بغطاء طائفي، متجاهلة حقيقة مسؤوليتها عما وصل إليه البلد من انهيارات. وإلى كل مؤشرات الفساد التي تحيط باسم الميقاتي ( كما الآخرين)، فهناك تجاهل لحقيقة الدور الذي مارسته حكومة “القمصان السود” التي ترأسها بين 2011 و2014، وتغاضت عن انتهاك السيادة وجر لبنان من قبل حزب الله إلى الحرب على الشعب السوري وجعل لبنان منصة صواريخ ضد المنطقة، وتوجت وجودها باستقبال الباخرة روسوس التي نقلت إلى لبنان شحنة الموت(..)، أليست رسالة للبنانيين أن العائد إلى السراي هو الشخص الذي في أيامه وصلت شحنة “نيترات الأمونيوم”، وأليس لافتاً تزامن العودة مع الذكرى السنوية الأولى لتفجير بيروت!
كل ما يريدونه هو السعي إلى إعادة الحياة إلى نظام المحاصصة الطائفي بما يخدم مصالح هذه المنظومة. والسؤال الكبير لمن يعتقد أن الأمر هو بالسهولة التي كانوا عليها قبل 17 تشرين، ما خطتهم لانتشال البلد وهل الأمر أولوية، وما خطتهم حيال حالة حزب الله بما هو العقبة الفعلية بوجه الاستقرار، وأي إصلاح سيكون متاحاً، وأي إنقاذ سيكون مقبولاً ما دام الحزب هو المتحكم بالقرار الوطني، ممسكاً بالمؤسسات، ويمضي باقتلاع البلد من موقعه ودوره فيعزله، والمعادلة معروفة وهي معادلة: حزب الله = صفر مساعدات.. ولن نسأل عن خطتهم حيال العدالة والحقيقة فكلهم شركاء في عريضة العار التي حملت تواقيع تعبر عن المشاركة الرمزية من الكتل الداعمة لمخطط المضي في نهج الإفلات من العقاب!
وبعد، “كلن يعني كلن” كم هو شديد الوضوح وفي مكانه هذا الشعار، وقد عكسته الأعراس المتلاحقة التي تشاركت فيها كل أطراف المنظومة السياسية – العسكرية – الأمنية المالية والقضائية، حيث تبرز قوة الفساد والشبكات المالية وكل أشكال الرشاوى وما يرتبط بها من محسوبيات. فكانت حفلات الزفاف الخيالية، وآخرها زفاف إبنة نوار الساحلي النائب السابق عن حزب الله، وزفاف إبنة النائب العوني ابراهيم كنعان وزفاف إبن النائب علي فياض( حزب الله) وقبل ذلك زفاف أبناء اللواءات عباس ابراهيم وجميل السيد وعماد عثمان والعماد جان قهوجي ولا ننسى الحاكم رياض سلامة وقبل ذلك غازي العريضي لتعبر عن واقع خطير، وتكشف عن جانب هو الحقيقة فيما وصل إليه لبنان، وتكشف أيضاً عن حالات تسلق ومتسلقين ومن بينهم تلك التي أبهرتنا “لهلوبة التحليل الثوري” وفق الوصف الموفق الذي خطته مهى البيضاني!
..نعم مع اتساع الهوة بين منظومة الفساد والمواطنين، والبلد ينهار والمجاعة تتسع، والناس وجهاً لوجه أمام الموت. يبحث المواطن عن حبة دواء ورغيف خبز، ويفتقر لقليل من المحروقات، فيقف السيد ابراهيم أمين السيد، القيادي البارز في حزب الله، يهاجم هذا النوع من البشر، في محاولة لتنزيه حزب الله والتأكيد على طهرانية يتمتع بها، وأنه من غير صنف الآخرين رموز المجتمع المافيوي، وأنه منزه، قافزاً فوق كل المؤشرات عن غرق قياداته ومسؤوليه في الفساد، وفاته “عرسك هز الدني” من الموفامبيك إلى لندن.. وأن كل كلامهم “الثوري” وأحاديثهم عن حتمية التضحيات ليست أكثر من لزوم عدة التضليل! لكن كل هذه العدة لم تنفع، فقد جعلت النائب السابق نوار الساحلي الذي ضُبط متلبساً بالفرح، وحيداً يعتذر، عن مشاركته في عرس ابنته(..)، فيما حزبه هو المسؤول عن ثقافة الخوف والموت، لكنه لم يكن وحده فقد شاركه الفرح كوكبة من نواب حزب الله!