..ولأن نصرك هز الدني” تم تقزيم ذكرى 25 أيار بشكلٍ مريع. كأنها ليست مناسبة لبنانية تجمع وتوحد فقد عمدوا إلى تحويلها إلى ذكرى فئوية للبعض ومع الوقت يتعذر عليهم رؤية الأخطاء التي تتراكم! فبعد 21 عاماً على التحرير و”الثلاثية الذهبية” وأولوية تحرير مزارع شبعا التي تعلن سوريا أنها أرض سورية، لم يقدم للناس إلاّ الخزي مثل مشهد طوابير المنتظرين على محطات الوقود أو أمام الأفران، والاتصالات التي تتم مع أي قادم إلى لبنان بأن يجلب معه ولو علبة بنادول، إذا تعذر عليه أن يحمل بضعة علب من حليب الأطفال، فقد باتت هذه المنتجات عملة نادرة!
وبعد، والبلد يتأرجح متدحرجاً من قعرٍ إلى قعر، كل ما يرد عن الطبقة السياسية يهدد اللبنانيين بأكلافٍ مدمرة، والسبب الإصرار على التمسك بكراسي الحكم واحتجاز التغيير مطلب أكثرية اللبنانيين. المتمسكون بجنة الحكم وهم رموز التقاسم الطائفي للسلطة، وهو تقاسم أدخل آلية مدمرة لتوزيع الغنائم، ما أتاح بأن يتحول الفساد إلى أبرز أشكال السلوك السياسي..ولعل أخطر الأمور التي يقوم عليها هذا التقاسم الخطير، هو السعي الحثيث إلى جعل الهويات الطائفية متواجهة. هنا البارز ما يدفع إليه الصراع بين بعبدا وبيت الوسط وأبعاد ذلك، ففيه يكمن منحى تأبيد تسلط زعامات طائفية وتغطية ارتكاباتها، والهدف الحقيقي الخوف من تقدم المنحى الآخر الذي عبرت عنه “17 تشرين” وهو بلورة هوية لبنانية جامعة!
وبعيداً عن الحديث عن الإضراب الذي دعت إليه “النقابات” التي توجهها عين التينة، وقد أعلنت عن تحركٍ شامل تحت عنوان الحكومة الانقاذية الآن، لا يبدو في الأفق القريب أي حلٍ للمأزق الحكومي. حزب الله يمسك العصا من الوسط ما أحبط بعبدا فقد أعلن نصرالله أن عون باقٍ والحريري لن يعتذر والمطلوب منهما تشكيل الحكومة وإذا تعذر عليهما الأمر فمن الضروري الاستعانة بصديق وهو نبيه بري! والصديق بدأ مبادرته بالضغط الإعلامي من خلال الشارع وباسم “النقابات”، والأكيد أن كل من هم خلف الدعوة للإضراب اليوم يتحركون على ريموت كونترول يجانب إيلاء هموم الناس ما تستحق.
الأكيد أن هذا التحرك “النقابي” وما بعد خطاب نصرالله سيحجب الحديث عن الاستقالة النيابية، فالتيار الوطني فقد إمكانية المبادرة، وأكثرية الكتل النيابية ترفض الذهاب إلى صناديق الإقتراع ليس لانتخابات مبكرة بل ربما لإجراء الانتخابات في موعدها! خصوصاً وأن البعض تلقى النصائح بألا يراهن على آليات رشوة الناخبين المتعبين والرهان على العقم في الرؤية والادراكلإعادة تشكيل السلطة، لذلك يبرز منذ بعض الوقت عودة إلى بعض الطروحات المتضاربة بشأن إدخال تعديل على قانون الانتخاب الساري المفعول، إن لجهة الدوائر الكبيرة أو الصوت التفضيلي، وهو ما سيكون الذريعة لإرجاء الانتخابات، وأخذ البلد إلى مزيد من التفكك والهريان نتيجة تلاشي دور المؤسسات وقدرات الدولة المخطوفة القرار والمنهوبة! وهكذا يحققون مطلبهم الفعلي وهو الخلود في مواقعهم ومقاعدهم!
بمقابل هذا الإصرار على التمسك ببرلمان انتخب وفق قانون زور إرادة المقترعين، لا بد وأن نلاحظ “الأعراس” الديموقراطية تجتاح محور الممانعة من دمشق إلى طهران. فقد فتحت صناديق الأقتراع فس سوريا لإعادة تسمية رئيس النظام السوري رئيساً ل7 سنوات جديدة! وبعيداً عن هرولة البعض إلى الانتخاب والحديث المتواتر عن النسبة التي سيحصل عليها رئيس الدولة الذي تسبب بتهجير نصف شعبه، فالحقيقة الوحيدة هي أن بشار كوالده ليس بحاجة لمسرحية الأصوات كي يبقى في الحكم، فكل ما هناك نهج يمعن في إلحاق الأذى بالناس من خلال أشكال الإذلال والاستتباع والانتخاب بالدم! وفي طهران تم استبعاد كل المرشحين “الإصلاحيين” والذين لا يستسيغ وجودهم الحرس الثوري ومن خلفه علي خامنئي. رئيس الجمهورية السابق أحمدي نجاد تم إبعاده، والإبعاد طال علي لاريجاني المفترض أنه من أبرز مستشاري المرشد بالذات! نعم إنها أبرز تجليات الديموقراطية في قلب محور الممانعة، ونحن عرفنا بدورنا جانباً من هذه الأعراس الديموقراطية، مع قوانين أخبرتنا سلفاً عن النسبة الأكبر من الفائزين قبل إجراء الانتخابات!
وبعد، صمتت القذائف في الحرب الرابعة وتباعاً تتبلور النتائج التي أسفرت عنها، ومثل هذا الواقع لا يمكن تغطيته بعرض عسكري أجرته حماس فوق ركام غزة، والقراءة المقلوبة للوقائع ورفع شعار “القدس مقابل حرب إقليمية” لا يغير كثيراً في نفس منحى توسل التطرف لطمس جوهر القضايا، ودوما لكل تطرف وحهه الآخر، و”طالما هناك إسرائيل، حق لنا أن نتمايل ذات اليمين وذات اليسار، وأن نجعل السماء ميداناً لفيلة لا تتعب من الطيران”. كما كتب اليوم الصديق حازم صاغية.