المبادرة الفرنسية كانت ستنتهي كما انتهت إليه بمعزل عن التوقيت. وفي نفس الوقت يمكن استعادتها واستعادة إمكانية فتح كوة دولية لدعم لبنان ارتباطاً بوضع داخلي مختلف.إن فهم فرنسا لأزمات المنطقة وأسبابها وأولوياتها واسلوبها في التعامل والتعامي عن الحقائق، ما كان سيفضي إلى توقع الحلول، لأنه من لحظة وصول ماكرون إلى بيروت غداة التفجير الهيولي في الرابع من آب وما أحدثه من إبادة جماعية ودمار، حتى انتهاء زيارة الوزير لو دريان لم تقدم باريس مقاربة عملانية.
لقد تجاهلت باريس أن القرار في لبنان بين أيدي جهة واحدة هي حزب الله الذي يلتزم أجندة خارجية، وجريمة التعويم السريع لمنظومة الفساد بعد تشتتها أمام هول تدمير بيروت، لم يخدم ما حلمت فرنسا بتحقيقه، وإن كانت قد استندت إلى تعهدات أعلنها زعماء منظومة القتل، وقد أضر ذلك كثيراً المصلحة الوطنية اللبنانية. لقد فات الجانب الفرنسي أنه ما من مافيا تلتزم تعهداً أعلنته، والمافيا اللبنانية هي الأخطر، فمن شب في كنف محتل ونقل البندقية من كتف إلى كتف في خدمة الخارج، وتمرس في ابتلاع الإهانات والإذلال العلني، تعاطى مع المؤتمر الصحفي الشهير للرئيس الفرنسي ماكرون والإدانات التي أطلقها بحقهم، على قاعدة أنه “الدني عم تشتي”، فكيف مع تقريع الوزير لودريان لساسة ضعفاء تابعين لكن كلهم إطمئنان من أن الحماية مؤمنة لمواقعهم من نظام محاصصة طائفي راسخ ستند غلى فائض قوة لا شرعية!
طهران الممسكة بالقرار اللبناني،أدارت اللعبة السياسية من خلال حزب الله بتأن وبقليل من الحرص، فعندما تيقنت أن باريس لا تملك تفويضاً من جانب واشنطن، إلاّ معسول الكلام، عمدت إلى استهلاك الوقت. القرار كان واضحاً لا تنازلات موجعة تقدم للفرنسيين، إذا كان المستقبل مع إدارة بايدن عودة التقارب مع طهران، والرهان أن واشنطن مرة أخرى ستغض النظر عن ممارسات أتباع طهران في المنطقة. كل هذا المنحى تمت تغطيته بقبول حزب الله تكليف الحريري( وإن لم يسمه) وهو الجهة التي أمنت له الأكثرية النيابية، بحيث بدا في لحظة ما بعض الانسجام مع الفرنسيين الذين لم يكن الحريري مرشحهم الأصلي.. وترك الحزب الصراع يشتد بين قصر بعبدا وبيت الوسط، إنه الضرورة لإدارة لعبة سداها ولحمتها مزيد من إضعاف البلد وتفكيك مؤسساته، وتهديد العمود الفقري للدولة أي القضاء والجيش، لأن الهدف الأبعد تأبيد السيطرة الخارجية وإنجاز مخطط إلحاق لبنان، والطريق الأقرب إلى ذلك تهديم المؤسسات وتعميم الفوضى وتحويل البلد إلى غابة ويكفي ملاحظة النهج التي تتبعه الاحتكارات والمصارف في إذلال الناس. ولم يكن من فريق أفضل من الفريق العوني يوكل إليه القيام بهذه المهمة فيما يكون حزب الله في الظل، وكل الآخرين في موقع المراقبة همهم الوحيد الموقع والكرسي!
العداء للطائف والدستور هو أمر يجمع بين بعبدا وحارة وحريك. هو ما قام عليه اتفاق مارمخايل، وهذا الأمر سعت إليه طهران غداة حرب تموز عندما طرح الوزير منوشهرمتكي على الرئيس السنيورة المثالثة وتم منع الوزير الإيراني من التصريح في السراي. والرهان في بعبدا كبير على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فيتم تقزيم دور رئيس الوزراء “السني”، ويجري تركيب سلطة وفق ميزان قوى جديد، يتحكم به السلاح الخارج عن الشرعية، وتتحول الرئاسة إلى حالة من البروتوكول الذي يضمن المستقبل الواعد للنائب جبران باسيل!
مرة أخرى دعونا لا نسكر على زبيبة. صحيح أن زيارة لوديان سحبت البساط نهائياً من تحت أقدام المنظومة السياسية كاملة ودون استثناء، واظهرت حجم الاحتقار الخارجي للعصابة المتحكمة بالبلد، وبدت وضيعة منبوذة توجهها الغرائز والضغائن! يكفي أن يتخيل مواطن عاقل بسيط، أن هناك من يموت من الجوع والكل يؤكد أن المستقبل مع هذه المنظومة اسود، وبالمقابل هناك من يناقش العالم بأحقيته الطائفية بالمالية وفساد وفريقه غطى كل جهات لبنان، وآخر يقاتل دفاعاً عن أحقيته بثلث معطل ليضمن حماية ارتكاباته، ووزير داخلية يعتبر أن التهريب موجود “وين ما كان” ويكتشف بلحظات أن حزب الله بريء من التهريب ومن تحويل لبنان منصة للتهريب! وصحيح تأكد المؤكد من أننا أمام طبقة سياسية فقدت أهليتها وتفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية والأخلاقية، لكن التغيير مسار طويل جداً.
بالتأكيد العقوبات الفرنسية والخارجية على الطبقة السياسية، وخصوصاً عنما تصل إلى المصالح المادية، بالغة الأهمية لأنها تفاقم تعرية الفاسدين المتجبرين، وتخدم منحى التغيير، لكن دعونا نضع اللقاء الذي جمع الوزير لودريان مع أحزاب ومجموعات معارضة في سياقه وحجمه. إنه صفعة مدوية لكل القوى السياسية الطائفية التقليدية التي سيمر وقت قبل أن يجد بعضها من “يكاتبه”، لكن الجدية تفترض من المؤهلين المنتمين فعلاً إلى “17 تشرين” الذهاب نحو الهدف، والهدف بلورة ميزان قوى يعكس قوة الناس وإرادتهم، وغير ذلك من ترهات تم التعبير عنها في بيانات، وأحاديث متلفزة، لا تبدل كثيراً في الواقع!
إن ما يجري في صالونات النقاش أو اللقاءات المتعددة في القاعات أو عبر الزوم وما يتخللها من استفاضة، لن تغطي استسهال الهروب من الشارع والمناطق والناس، لأن مثل هذا التحدي يفترض أداء مختلفاً، ما يطرح الأسئلة خصوصاً وأنه لم يعد سراً أن بعضهم قال: انتهى زمن الثورة وبدأ زمن المعارضة؟ والمعنى واضح أنه يمكن أن تكون الأولوية بلورة كوكبة من الوجوه الكريمة! لا جدل بحق من ينحو هذا المنحى، لكن أي قراءة حقيقية تقول أنه لا بديل عن مسؤولية الذهاب إلى الناس والعمل دون كلل مع المواطنين لإبقاء سيف الاحتجاج الشعبي العريض مرفوعاً! ومهم في وضع دقيق وصعب إبقاء هدف التكامل المفيد والحذر من استسهال توزيع شهادات ثورية!
“قوم ت أقعد مطرحك” لا يعني ولا خطوة نحو التغيير المنشود مفهوم!