لحظة استللتُ قلمي من علبة الليل الأبكم هذا العام، تراءى لي تمرّده وكأنه يرفض كتابة خاطرة البُعد على عجل!
العجلة بالنسبة إليه هذا العام استخفاف بلحظات تدحرجت على دروب التحدي لكنها التقت الختام واقفة وسالمة ومعافاة. ليس لأنها أقوى من القدر المكتوب وإنما لرجولة الوعد الذي قُطع على شتات آخر أيام العام الماضي بضرورة رسم غد أحلى!
كان عام بُعد عن كل شيء..
عن بيروت التي أدارت وجهها خجلا في صبيحة دامعة محزونة تودعني بحرقة أم تودع قلبها مياتم القهر وتمضي الى قهر آخر وفي مسمعها صوت بكاء مغلّف بتنهيدة حنين مكسورة!
عن أمي التي خيّبت وحدها لحظة الفراق، مسددة في قلبها الأسود دوي دعاء هوّن العتمة وشق في ملامح كربتها نوافذ وأبواب رقيقة.
عن أبي الذي كلّما سحل نحيب الشوق قلبي الى منصة الاختناق، سال صوته في مسمعي وانتعش فكري مسترقا غبّة من سحابة التباشير المخلصة رغم عواصف الأحزان!
عن رفاقي، الذين غدت شالاتهم في موسم الشتاء ومضة اشتهي رؤياها في منام مبلل بدمعة شوق حارقة!
عن أمكنة غدرت وجوهها بي، لكن عزائي تورطها باستحالة محوي منها ومن كل ما ينبض فيها بابتسامة تشفّي شقية رقيقة واثقة بما فعلت!
——-
كان عام بُعد نعم،
أبعدني عن ما أحب وأعشق لكنه قرّبني وعلّقني بلحظات خِلتُ أن ضجيج الغربة سيفسدها مهما حاولت استباقها ببروفات مصطنعة!
لحظة أنجزت، شعرت بالدقات المسرورة تقرع أجراس فؤادي مذعنة اقامة أعياد العبور واجتياز وعورة وطن تغرق كل شيء فيه!
ولحظة بشرني الزمن بأن روحا ستعتلي منبر الأيام لتُعلن اختتام ثنائية حبّ فتيّ واقتحامها اسمين برابط معطّر بالانتظار الخاشع، خشعت حواسي مجتمعة مستسلمة إلى عُمر جديد ها هو اقترب الآخر ليقرع أجراس الفؤاد.
لحظتان في سنة البُعد كانتا عزائي ..
الأولى صوت ضمير شوّش على بكائيات الحنين بأهازيج مرتاحة ممنونة ..
والثانية، بذزة تبشير هطلت على العُمر كأنها موسم يُسقي أرضًا أرهقها الانتظار .
وما بين اللحظتين، لحظة يضيفها القلم على عجل، لافتا الى أن ما كُتب مع لملمة العام الراحل لآخر ساعاته هي الخاطرة العاشرة من عُمر عقد كان لكل حبة فيه قطعة كلامية مكتوبة مُودّعة!