كان يوم لبنان الذي احتضنته بكركي يوم أمس السبت. لولا ثورة 17 تشرين ما كان ليكون، فالبلد وأهله في زمن فيه الكثير من المتغييرات التي أدخلتها الثورة على الوعي الجمعي. هذا التغيير يتحكم بهذه النسبة أو تلك بكل المواقف، حتى تلك التي يرددها زمر الفساد أركان “منظومة النيترات”!
بحق 27 شباط يوم يندرج في سياق الأيام التاريخية. دعونا نأخذ نفس، ومن الحكمة أن ينتبه البعض منا ومن بيننا أن بكركي لا تنافس أحداً على الدور، ولا تسرق منا كأكثرية ثورتنا، ولا تطرح ما يستبدل رؤيتنا(إن وجدت) وخطتنا (إن تبلورت) للتغيير السياسي الكامل، لا بل دعونا نطرح السؤال البديهي هل هو قليل أن تمتلىء بالناس ساحات بكركي، والطرق المؤدية إليها، وكثر لم يتمكنوا من الوصول، وذلك رغم الجائحة التي تفتك بالمواطنين، هل غادرهؤلاء موقعهم في الثورة، والإضافة النوعية التي قدمتها ثورة تشرين لم تصل إليهم؟ وهم في ظروفٍ أخرى كانوا سيكونون أضعافاً مضاعفة؟
طيب ماذا عن مضامين الخطاب – البرنامج الذي جرى طرحه بلغة بسيطة لا تحتمل التأويل عندما لامس الراعي الأخطار المصيرية، فتمحورت العناوين حول استعادة الدولة، الطائف والدستور،الحريات ، الحقوق، العدالة، السيادة، وحياد لبنان كي نمنع عن البلد خطر الاندثار. قال: “كلنا سننقذ معاً لبنان”. إلاّ إذا كان البعض لا يرى حجم الخطر الذي يتهدد الكيان، وحتمية الذهاب إلى معركة شعبية مدنية للتحرير وإنجاز الاستقلال الرابع! أما البطريرك فقد هاله خطر إندثار البلد فقال هنا أولوية الأولويات، وبعد ذلك ليستمر النقاش المفتوح، والأهم وضوح البرنامج السياسي وابتداع الأشكال النضالية والتنظيم الميداني وصولاً إلى بلورة الجبهة السياسية المرتجاة، إلاّ إذا كان بعض المخلصين لم يكتشفوا بعد أن لا نجاحات متأتية من حكايا وحدة”المجموعات” و”المنصات الصوتية”، و”الإئتلاف المدني”!
نعم وضع البطريرك الإصبع على الجرح وحدد أين يكمن التحدي الأساسي وهو الحفاظ على الوجود والكيان، وقال بوضوح :”إننا نواجه حالة إنقلابية”داعياً إلى تحرير الدولة، محذراً من خطر وجود دولتيت في دولة واحدة، ووجود جيشين أو جيوش في دولة واحدة، وشعوب في وطن واحد! ليكمل فيشطب التغطية المسيحية عن رئاسة الجمهورية، ويسقط ما كان من خطوطٍ حمراء طائفية، ليبرز في الخطاب – البرنامج الكثير من نقاط ضعف البرنامج الآخر المدجج الذي يختطف الدولة شراكة مع “منظومة النيترات” الناهبة التي أسلست قيادها إلى حزب الله!
إلى قيام دولة مدنية بديلة وفصل الدين عن الدولة كانت مطالبة البطريرك، والجديد في طرحه للحياد السعي لإعطائه صفة دستورية ثابتة. الحياد جزء من تاريخ البلد واستمر التأكيد عليه من الاستقلال الأول عام 1943 حتى الإحتلال السوري للبنان.. عندما فرضت قسراً تلك المفاهيم عن “وحدة المصير والمسار” وعن “شعب واحد في بلدين”.. من البداية كان الموقف وما زال الأسلم: “لا مقر ولا ممر”، وكان كلما اختل الحياد يضطرب وضع لبنان، من العام 1957 حتى يومنا. إنه مسألة محورية لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تعني إبعاد البلد عن مناصرة العدالة والحق والحقوق والقضايا الانسانية والحرية وقضايا التحرر.
المؤتمر الدولي دعوة ملحاحة لإنقاذ لبنان استند فيها الراعي إلى مرجعية وثيقة الوفاق الوطني والطائف والدستور، لأننا نواجه حالة إنقلابية بكل معنى الكلمة. وكم كان مهماً تذكيره اللبنانيين أن إنقلاباً حدث على الطائف الذي لم يطبق حتى اليوم. وذهب إلى إيضاح الهدف : نريد تثبيت كيان لبنان المعرض جدياً للخطر، ونريد إعادة تثبيت حدوده الدولية للبنان الحرية والعدالة والمساواة الذي “يتأسس على قوة التوازن لا على موازين القوة”.. وواضح أن موازين القوة ليست حقيقة مطلقة ودائمة بل هي مدمرة إن تم الركون إليها والرضوخ لها، لأنها وصفة حروب دائمة!
كان واضحاً في الموقف قاطعاً في الرفض حيال ما أوصلنا إليه السلاح خارج الشرعية، وأن المقاومة يجب أن تقوي الدولة الحامية للجميع، وهو ذكّر >ون أن يبوح بما كانت عليه المقاومة الأوروبية للنازي، خصوصاً الفرنسية التي حررت باريس، وسلمت التحرير للدولة ولم تطلب ثمناً، وكم كان رائعاً ما عبر عنه جاك ديكلو أبرز قادة تحرير العاصمة الفرنسية ورفاقه. وكم كان كبيراً المثال الذي قدمته “جمول” محررة بيروت وأكثر من 70% من الأراضي التي احتلها العدو الصهيوني. وكم يجدر التوقف عند اللاآت التي رددها الراعي وهي بالعمق شعارات تشرين: “لا تسكتوا عن ما طالبتم به في الثورة وتابعوها..لا تسكتوا عن السلاح..لا تسكتوا عن تعدد الولاءات، لا تسكتوا عن الفساد، لا تسكتوا عن الحدود السائبة، لا تسكتوا عن خرق أجوائنا، لا تسكتوا عن سلب أموالكم، لا تسكتوا عن تسييس القضاء، لا تسكتوا عن فوضى التحقيق في جريمة المرفأ..لا ولا ولا..ولأن بكركي حضنت في يومها لبنان، كسر البطريرك التقليد والعرف ولم يبدأ المناسبة بإقامة الصلوات، بل طلب من المشاركين الوقوف دقيقة صمت حداداً على ضحايا الجائحة وضحايا تفجير المرفأ! انتباه ضحايا الجائحة كما ضحايا المرفأ تقتلهم سلطة الفساد والإجرام!
وبعد، قد لا تتمكن بكركي من وضع هذا البرنامج في التطبيق، لكنها رسمت منحى مهم سيترك أكثر من أثر وقد تنجز الكثير من الأمور، والثابت أن الحركة الشعبية، ثورة تشرين، أمام منعطف إيجابي وقد منحت عناصر من شأنها أن تصلب عودها. المجال مفتوح ع الآخر أمام القوى العلمانية والقوى اليسارية الجدية كي تندفع بقوة وفق برنامجها ( أو برامجها) ووفق أولوياتها، لتطوير دورها ومكانتها وواجبها في بلورة ميزان قوى حقيقي يحمل هم التغيير، في مسارٍ صعب ومتعرج لاستعادة الدولة المخطوفة بالسلاح والفساد وإنجاز الاستقلال الرابع!