كانت معبرة وقفة أهالي ضحايا تفجير الرابع من آب أمام المرفأ. وكانت لافتة الشموع التي أضيئت على الشرفات في بيروت والكثير من المناطق، وقد أظهرت المناسبة التمسك بالعدالة ورفض تضييع الحقيقة تحت أي اعتبار، ووجهت الانتقادات الحادة إلى “منظومة النيترات” المتسلطة فهم جميعاً من “فجروا فينا إنفجاراً جديداً عندما كفوا يد القاضي فادي صوان”.. وشدد الأهالي أن “أي سياسي يستدعى إلى التحقيق ولا يمتثل أمام القضاء فسنذهب إلى منزله”. وهنا نفتح مزدوجين كي نشير إلى المعطيات الجديدة التي راجت من أن لاصلاحية لمحكمة التمييز في مسألة نقل الملف من الرئيس صوان إلى سواه وكيف سمح بذلك مجلس القضاء الأعلى وكذلك وزيرة العدل!
ما تقدم قد يترك تداعيات أو لا فالأمر بيد ليس بيد اللبنانيين ضحايا الجريمة المروعة، لكن كل العيون ستبقى مركزة على التحقيق والخطوات التي سيقوم بها قاضي التحقيق العدلي الجديد البيطار لجهة متابعة كشف الحقيقة حول من أتى بشحنة النيترات والعلاقة مع النظام السوري، وتالياً الشركاء من منظومة الفساد الذين سهلوا دخول الشحنة والتفريغ والتخزين والحماية إلى مرحلة حلول كارثة التفجير. هذا هو التحدي أمام قاضي التحقيق العدلي الجديد، بعدما تبين واقعياً أن قضية بهذا الحجم ما كانت لتحصل لولا الشراكة اللبنانية من جانب الكثير من الجهات وعلى أعلى المستويات السياسية والأمنية، ولولا وجود قرار بذلك من قوى الأمر الواقع في المرفأ، حيث لم يعد سراً أن حزب الله هو المتحكم بالأرصفة والعنابر.
خلاف ما تقدم سيكون البلد أمام خطر نجاح الانقضاض على العدالة، وسيتقدم منحى تضييع الحقيقة ودفن التحقيق.. ويكون واضحاً عندها لكل البنانيين أن منع العدالة في جريمة الرابع من آب، مقدمة لمنع تحقيق “التدقيق الجنائي” لأنه سيطال كل أطراف منظومة الفساد والإجرام أصولاً وفروعاً وأتباع! ومقدمة للرضوخ إلى تجبر ولصوصية المنظومة المتحكمة التابعة، وعلى كل اللبنانيين أن ينسوا الأموال المنهوبة والانهيارات التي ضربت حياة الناس وأفقرتهم وجوعتهم وألحقت المذلة بهم!
ومع تلاحق الانهيارات، واتساع عجز كل الطغمة السياسية، لفت الانتباه بقوة المؤتمر الصحفي ل جبران باسيل، إذ بعيداً عن الردح المعهود بدا أن مسألة تأليف الحكومة لم تعد هي الأولوية بالنسبة للفريق الذي حجز التأليف، فقد تم تسجيل جملة أمور تستدعي وقفة متأنية لما تحمله من مخاطر!
لقد كان باسيل يتحدث نيابة عن رئيس الجمهورية وبدا في موقع الممسك بالأختام، وهذا الدمج بين فريق والرئاسة أمر شديد السلبية، فهل هناك فعلياً حالة فراغٍ مقنعة؟ ولنتذكر أن الراعي كان منذ عدة أشهر قد طالب عون بتحرير الشرعية، ويبدو أنها واقعة تحت سطوة مزدوجة من الدويلة وجبران. إن الشخص الذي عاقبته الثورة، وفرضت عليه عقوبات أميركية لدورها في الفساد والإفساد، يستغل موقع الرئاسة لمعاقبة كل اللبنانيين. لقد أعلن أن الحكومة كيفما شكلت لا تؤمن الطريق إلى الرئاسة ولا تمنعها ورسم الطريق للوصول، طريق وصوله إلى بعبدا!
على المستوى الداخلي إلتصاق كامل بطروحات حزب الله بعد الانتقاد العلني الذي وجهه نصرالله لجهة الكشف عن نقاط كانت موضع نقاشٍ بين الجهتين، فأعلن التراجع عن بيان التيار الذي ذكر أن الحزب لم يكن شريكاً معهم في بناء الدولة(..)، مؤكداً على العودة إلى كل مندرجات تفاهم مارمخايل وقد وعد عملياً بإعادة تأكيد ذلك في مؤتمر التيار في 14 أذار. وواضح هنا أن التصاق باسيل بالحزب وتجديده تقديم أوراق إعتماده متأتٍ من رهانه على دعم الدويلة له للوصول إلى بعبدا.. وبهذا السياق هدد بالذهاب إلى نظام جديد ( المؤتمر التأسيسي) وتجاهل كل الطروحات التي تقدمت بها بكركي لاستعادة الدولة والحياد الإيجابي لا بل كان في موقع النقيض لها!
وعلى المستوى الإقليمي أعلن عن تبعية مطلقة لنظام الأسد، وقد نسب إلى الرئيس السوري كلاماً خطيراً جاء فيه أنه “لو بقي مسيحي واحد في لبنان فيجب أن يكون الرئيس وأن تكون صلاحياته قوية، ففي ذلك مصلحة للبلدين”(..) يعني أن الحكم الذي تعاطى بهذا الشكل مع كل الانهيارات وجريمة تفجير بيروت ويتسبب بهجرة لبنانية مضطردة، ولا سيما من المسيحيين، حدد أولويته بأنه جاهز لكل المطلوب مقابل الكرسي، وذهب بعيداً في التمادي باللعب بالتوازنات العصبيات الطائفية بادعاء الحرص على حقوق المسيحيين، معلنا عن ارتباط تياره المدمر ورئيسه بنظام معروف أن مستقبله وراءه!
إن قمة التردي تكمن في هذا الترويج للفاسدين المرتكبين الذين يدعون النظافة والعفة ويقفزون فوق ما تسببوا به من جوع وموت وقتل نتيجة الوباء الآخذ بالاتساع، فيما خطوات المواجهة بطيئة ومحدودة وقاصرة وغير فعالة، بعدما تأكد من التطور في إسرائيل (تلقيح 73% وفي بريطانيا مع تلقيح 25%) أن لا بديل عن كثافة التلقيح لوقف انتشار العدوى..ومرة أخرى رسمت ثورة تشرين البديل عن سلطة الحرب والميليشيات وكل الطفيليات الطائفية. واليوم أكثر من أي وقت مضى فإن قوى التغيير وكل جمهور الثورة، أمام تحدي القدرة على إجتراح البديل، بعدما تبين من المنهبة إلى تفجير الرابع من آب الاجرامي وإصرارهم على دفن العدالة،إلى المقتلة الناجمة عن الوباء، أن كل منظومة النيترات هي التهديد الفعلي لما بقي من استقرار وأمان، وتسلطها يمر دوماً بوضع البلد على شفير الصدامات الطائفية وفي الجحيم الذي تم التبشير به ودفع البلد إليه!