18 شباط يوم لبناني أسود في تاريخ العدالة والحقيقة وفي تاريخ القضاء اللبناني وفي تاريخ لبنان!
في منتصف الشهر السابع على تفجير بيروت، كان المنتظر الكشف عن بصيص ضوء، بعدما برزت مؤشرات تشي أن التحقيق لن يوفر أي مسؤول لبناني، خصوصاً وأنهم كلهم كانوا يعرفون ويعلمون، ومن سعى على بعض المستويات العليا الإدارية والأمنية، إلى تبرئة موقفه بتسطير دفتري لإبعاد الشبهة عنه رضخ لمشيئة الجهة الممسكة فعلياً بقرار البلد وبالمرفأ. أمام هول الجريمة المروعة التي خلفت موتاً جماعياً ودماراً للعاصمة، وتركت كذلك جروحاً لن تندمل إلاّ بتبيان الحقيقة ومعاقبة القتلة والمتسببين بالقتل مهما علا شأنهم، ظهر من بين المؤشرات الجدية تسطير 3 إستنابات قضائية بحق جورج حسواني والأخوين خوري المشتبه بأنهم من استورد شحنة الموت لحساب النظام السوري، وهم من التابعية السورية ويحملون الجنسية الروسية.. وكان هذا الإشتباه قد يقود إلى فكفكة ألغاز التعاون المحلي من لحظة إدخال باخرة الموت إلى التفريغ والتخزين والحماية والسماح بنقل أطنان من “نيترات الأمونيوم” تباعاً..في هذا التوقيت جاء من يذكر اللبنانيين، بألاّ يتأملوا، وأعادهم إلى حقيقة أن القضاء أكثر من مقيد، بل مخطوف، وأن البلد الذي لا سقف له ومستباح الحدود والكرامة، ودولته مخطوفة وقرارها بيد الدويلة التي تتكيء على بندقيتها منظومة الفساد المتحكمة، ممنوع فيه بلوغ الحقيقة والعدالة!
نعم هناك من قرر وأمر بطي التحقيق، واستجابت كل المنظومة الفاسدة التي اتحدت بوجه إحقاق العدالة وغطت الخطوات الانقلابية على التحقيق، من زيارة الحريري إلى السراي وما أعلنه، إلى انتفاضة بري ومكتب المجلس وإعلان الفرزلي براءة كل السياسيين الذين ذكروا في مذكرة القاضي صوان إلى مجلس النواب، ووصولاً إلى دعوى الخليل وزعيتر كف يد القاضي بتهمة “الارتياب المشروع”! فتقرر أنه بعد 198 يوما على التفجير الهيولي للعاصمة، الذهاب إلى تفجير بيروت مرة ثانية، من خلال قرار الذرائع القضائية الركيكة، الذي قضى بنقل ملف تفجير المرفأ من القاضي صوان إلى آخر سيتم تعينه!
حجتان استندت إليهما محكمة التمييز في قرار اتخذ بالأكثرية وخالفه القاضي الرئيس فادي العريضي وفنده. الحجة الأولى أن دولة المقامات والحصانات أخذت على قاضي التحقيق أنه أكد أن لا أولوية على أولوية الدم المراق غدراً وغيلة، فأعابت عليه رفضه أن تكون الحصانات الخط الأحمر الممنوع تجاوزه! وفاتهم، أصحاب القرار، أنهم يدافعون عن حصانات باتت في الأرض، لتعلن أنه بذلك يخالف أحكام القانون والدستور. ولتتهمته واقعياً بتضارب المصالح فهو متضرر بقوة من التفجير الذي أصاب منزله في الأشرفية، وفات هؤلاء الذين يعيشون على كوكب آخر أن التفجير الهيولي أصاب لبنان كله بالصميم وألحق الضرر حتى بمن اتخذ القرار! وعليه قرروا تنحيته لعدم جواز أن يتولى متضرر من جريمة التحقيق فيها.. فمن أين سيأتون بقاضٍ لم ينله الضرر مباشرة أو غير مباشرة بما أصاب لبنان!
الحجتان ضد القاضي هما لمصلحته وهذا ما أكده الرئيس العريضي، الذي عندمت تناول واقعة المنزل المتضرر، رفض مقولة “المدعي الفترض” التي لا سند قانونياً لها، وتهمة الارتياب لا يصح إسنادها إلى التكهن والإفتراض! وعندما تناول الحصانات، أكد أن لبنان أمام جرائم جزائية، والفعل الذي ينسبه القاضي إلى رئيس الوزراء والوزراء.. حاصل بمعرض أدائهم لمهامهم ونابع منها وناتج عنها ومرتبط بها، والارتياب لا يتحقق لمجرد إفتراض أو تصور شخصي لدى المتقاضي المرتاب! وهنا تنبغي الإشارة أن القرار تأخر نتيجة الصلات ومحاولة ممارسة الضغوط حتى آخر دقيقة كي يكون القرار بالإجماع، فأصر الرئيس القاضي العريضي على مخالفته وأظهر ركاكة الحجج التي اعتمدت لإبعاد القاضي صوان ما دلل على أن فتوى سياسية صدرت وكان لمن أصدرها ما أراد!
القرار الخطير، الذي فجر عنف وغضب أهالي الضحايا وترك سواداً في القلوب على امتداد لبنان، لم يحدث إلاّ بدافع سياسي. ما جرى شكل ضربة ثقيلة جداً للقضاء الذي كان يؤمل أن يشهد انتفاضة لا ستعادة استقلاليته وليؤكد أنه سيف العدالة والحرية الذي سيحمي حياة الناس ويسترجع حقوقهم، فإذا به بمثابة ضربة شديدة التأثير طالت أقله مئات ألوف من اللبنانيين! ما أدى لنزول فوري لعدد كبير من إهالي الضحايا يحملون صور الأطفال والأبناء والأخوة والأزواج ويعلنوا أنهم لن يسمحوا للمجرمين بقتلهم مرتين، وتوعدوا كل الطبقة السياسية “منظومة النيترات” وجددوا الثقة بالقاضي صوان.
وبعد ترددت معطيات كثيرة بشأن من سيعين كبديل، وترددت أسماء مثل القاضي كلود غانم والقاضية سمرالدا نصار، وقيل أن القصر يريد محققاً مقرباً منه! وقد عقد في بعبدا إجتماع لهذه الغاية، ونشرت معلومات تفيد أن الوزيرة نجم هي من بين من ارتاب بهم القاضي صوان..وكل ذلك يندرج في سياق المؤشرات السلبية التي تحتم فعلاً تشديد المطالبة بالاستعانة بتحقيق دولي في واحدة من أكبر الجرائم الارهابية في التاريخ!