الشيخ د. محمد النقري – يطالعنا من وقت الى آخر بعض الموتورين لينادوا بإعادة السنّة الى شبه الجزيرة العربية وإعادة الشيعة إلى إيران والموارنة الى حمص. بطبيعة الحال لا تجدي طريقة الرد عليهم بإسلوبهم الحاقد وعباراتهم الإستفزازية وانتفاخ أوداجهم واشرئباب أعناقهم، فالشعوب الحضارية لا تقابل صراخ موتور معارض بصياح موتور مؤيد، بل تختار عباراتها مدعومة بحججها التي تدحض افتراءات المسيئين وببراهينها التي لا يزيغ عنها الا الذين يضعون ايدهم بآذانهم ويستغشوا ثيابهم ويستكبروا استكبارا. فالرد على مثل هؤلاء السيئين يكون وفق تربيتنا الإسلامية والمسيحية التي ترعرنا عليهما في لبنان، حيث يقول الله تعالى في القرآن الكريم : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )، وكما جاء في الإنجيل : (أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ)، وكما في ورد في رسالة بطرس الرسول الأولى : (غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ لِهَذَا دُعِيتُمْ لِكَيْ تَرِثُوا بَرَكَةً).
في عددها الصادر في 29 أيار 2020 كتبت National Géographie مقالاً بعنوان L’héritage surprenant des Cananéens, mystérieux peuple de l’âge du bronze تحدثت فيه عن الشعوب المنحدرة من الكنعانيين، بناء على الدراسة التي أجراها عالم الجينات الإنجليزي مارك هابر على رفاة خمسة أشخاص ينتمون الى الكنعانيين في مدينة صيدا حيث تبين له أن جينات اللبنانيين الحاليين تتطابق تماماً مع جينات الكنعانيين.
كما قام الدكتور بيار زلّوعة الزميل في اللجنة الإستشارية اللبنانية لأخلاقيات علوم الحياة والصحة والمختص في دراسة الحمض النووي والمدرِّس في الجامعة اللبنانية الأمريكية) بإجراء دراسة حديثة ضمن المشروع الجينوغرافي التابع لمؤسسة ناشيونال جيوغرافيك الذي يهدف إلى دراسة حركة هجرة الشعوب تاريخياً. وبعد دراسة عينات للحامض النووي لمجموعة من اللبنانيين، وبالتحديد دراسة هابلوغروبات الكروموزوم-Y التي تنتقل عن طريق الأب فقط، توصل إلى أن أصل اللبنانيين القديم كالآتي:
28% من اللبنانيين أصلهم عرب عماليق (فينقيين كنعانيين) لأنهم يحملون هابلوغروب J2 وإحدى هابلوتيبات البصمة الفينيقية، PCS1+ إلى PCS6+.
17% من اللبنانيين أصلهم عرب إسماعيليين لأنهم يحملون هابلوغروب J1.
16% من اللبنانيين أصلهم من شمال أفريقيا لأنهم يحملون هابلوغروب E.
بالإضافة إلى وجود هابلوغروبات أخرى منحدرة من الفرس والإثيوبيين والصليبيين.
ولهذا الإعتبار فإن جميع الطوائف اللبنانية الحالية (سواءً كانت مسيحية أم مسلمة) موجودة بشكل مختلط في جميع الهابلوغروبات، ممايدل على أن ليس لكل طائفة لبنانية حالية أصل قديم مختلف عن الطوائف الأخرى بل هي عبارة عن تمازج للأصول القديمة المختلفة. الاستثناء الوحيد من ذلك كان الهابلوغروب المنحدر من الصليبيين، حيث وجد أن أغلبية من يحمله اليوم هم من المسيحيين؛ ويبرر بيار ذلك بأن الهجرة الصليبية إلى المنطقة هي حديثة نسبياً بالمقارنة مع الهجرات الأخرى فلم يُسلِم من نسل هؤلاء الصليبيين إلى القليل.
هذا إذا أضفنا الى هذه الإعتبارات بأن الأبحاث التي أجريت بخصوص الهجرة الأولى للإنسان البدائي خارج افريقيا أكدت بأن التجمعات البشرية مكثت في شبه الجزيرة العربية ما يقارب المائة وخمسون ألف سنة، قبل انتقالها الى الهند وتركيا وأوروبا.فالمقولة العنصرية أعيدوا المسلمين السنة الى السعودية والشيعة الى إيران والموارنة الى حمص ليس لها أي منطق علمي ولا أخلاقي، ولا تراعي الحس الوطني الوحدوي، وإنما هي ترهات تخرج من أفواه حاقدين موتورين ندعو لهم بإخلاص أن يرتقوا الى مصاف الشعوب الحضارية.
المصدر: «اللواء»