كتب الصديق عباس بيضون: “أشك أن قتلة لقمان كانوا يعرفون أي شخصٍ كان”. وذكرنا عباس ببعض ما جرى أمام قوس المحكمة في القاهرة مع المتهم بمحاولة إغتيال نجيب محفوظ ( على خلفية الحملة ضد رواية أولاد حارتنا)، وكان الأمر قد حدث بشكل أفدح في محاكمة قاتل فرج فودة. يسأل القاضي: لماذا استهدفت فلان؟ فيرد المتهم: عقابا له على ما كتبه! فيسأله القاضي: ماذا قرأت له؟ ويجيب : أنا أمي ياباشا ما بعرف إقرأ هم قالوا لي!!
وهم أيضاً قرروا إلغاء لقمان، وهو من بين أهم من أنجبهم لبنان، من قلة مبدعة في اللغة والتراث وفي العمل اليومي للحفاظ على الذاكرة التي تواجه بكل ما يمكن أن يؤدي الى تغييبها. اشتغل سنوات طويلة على توثيق الحرب وما تناسل من الحرب من خطف وتغييب وارتكابات طالت البشر والحجر، فقد أرادها أن تبقى حية على الدوام، وقد رفض أن تقفل على زغل ورفض نسيانها! ولقد أعطى الكثير لكل الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية ولا ننسى صبرا وشاتيلا، وصولاً إلى المآسي التي أُنزلت بالشعب السوري! وعلى الدوام ربط عمله الفكري والثقافي باليومي، فلم يغادر الساحات منذ انطلاقة ثورة تشرين، التي قدمت الدليل أنه بالإمكان النهوض، وبالإمكان استعادة النسيج اللبناني، واستعادة اللبنانيين الموحدين بأكثريتهم لدولتهم المخطوفة بالفساد والسلاح والمستتبعة للخارج.
بهذا السياق إن هذه الجريمة التي تمثل خسارة أولاً باغتيال لقمان وخسارة لأسرته، فهي شكلت اليوم الذروة في نهج إجرامي أراد تعميم الجهل والخواء وإبقاء اللبنانيين مكبلين والوطن مصادر. واعيد التأكيد أن جريمة إغتيال لقمان سليم هي المحطة الأكبر في العنف المنفلت ضد ثورة تشرين، وضد حرية العمل السياسي. وما من أحد ينسى القمع الذي مورس ضد المتظاهرين حول البرلمان اللبناني، ولا خصوصاً في تظاهرة الثامن من آب الماضي رداً على جريمة تفجير المرفأ والعاصمة وصولاً إلى الاتكابات الأخيرة ضد المحتجين في طرابلس. وإذا ما عدنا إلى تقرير لجنة العفو الدولية فإن كل تلك الارتكابات تمت بشكلٍ سافر ولم يتوقف من أمر بها ونفذها عند أي اعتبارٍ قانوني! وأفتح مزدوجين لأعيد التأكيد مع الصديق حسام عيتاني الذي لاحظ “أن هالجماعة اللي نازلة إغتيالات وترهيب، ما انتحت بكل تاريخها كتاب يستحق القراءة ولا فكرة قابلة للنقاش. ما قدمت كاتب واحد..ولا فنان..وانحصرت عبقريتهم بالأمن(بالمعنى السيء للكلمة) والإلغاء والقتل.
وبعد أي تحقيق محلي سيكون؟ وأي نتائج ستترتب على هذا التحقيق ؟ وأمام الناس قضايا كبيرة لا تعد ولا تحصى. في هذه اللحظة يجب رفع مستوى المطالبة بشراكة دولية في التحقيق لأنه بمعنى من المعاني أحد عناصر حماية الشعب اللبناني الذي يواجه بإرهاب منفلت، عنيت تحديداً جريمة اغتيال لقمان والجرائم التي استهدفت الناشطين في ثورة تشرين، وجريمة تفجير بيروت والإبادة الجماعية التي نجمت عنه، كما الجرائم التي تلته ومنها قتل العقيد المتقاعد منير أبورجيلي والمصور جو بجاني. ويتواصل الاحتجاج على الجريمة باشكال مختلفة وكانت معبرة امس الوقفة في ساحة النور في الفيحاء!
وبعد، الإمعان في تمزيق الدستور متواصل. والضغوط تتزايد لعقد إجتماع لمجلس وزراء حكومة تصريف الأعمال لإقرار أخطر ما تتحمله الحكومات ألا وهو الموازنة العامة. والذرائع صحيحة لجهة أنه من غير الجائز مع كل الانهيارات المضي بالانفاق وفق القاعدة الإثني عشرية.. لكن المخيف أن الدعوة تسبطن طي صفحة تشكيل حكومة جديدة ما لم تكن في خدمة الأجندة التي حددتها بعبدا بدعم من حزب الله. وجاء حيث الشيخ نعيم قاسم ليؤكد أن لا حكومة في المنظور القريب، والكل يعلم أن التأليف مؤجل بقرار من طهران. بالمقابل رفض حسان دياب الضغوط وهو لا يستطيع غض النظر كيف عوملت حكومته ككبش فداء لنهج المنظومة المتحكمة، ويتمسك بأن تكون الأولوية للتأليف لأنه لو رضخ ستطوى نهائياً مسألة وجود حكومة ويترسخ الدور الممارس من خلال مجلس الدفاع الأعلى!
وبعد البعد، يعودون إلى ما أسموه الفتح التدريجي للبلد، الذي لم يقفل أساساً كما ينبغي، والخشية واسعة من التردي المرتسم في الأفق، مع الأخذ بالاعتبار أن الفترة الماضية لم تستغل في توفير الحد الممكن من التجهيز للمستشفيات لمواجهة التفشي الخطير للوباء أو مساعدة الناس مادياً على المواجهة، فيما سياسات التسيب وانعدام الكفاءة تتسبب بقتل مزيد من المواطنين. لقد لامس الموت حاجزالمئة شخص، مع بلوغ رقم الضحايا يوم أمس (98) والنسبة تشكل 1% من السكان وهي كبيرة وخطيرة، فيما نسبة الإصابات كمعدل هي فوق ال22% وهي كبيرة جدا وخطيرة! وتتزايد المخاطر مع ارتسام علامات مقلقة بشأن إمكانية الحصول على اللقاح وإتاحته لكل اللبنانيين! العالم يقاتل من أجل اللقاح والسلطة اللبنانية أولويتها تنظيم الإتجار به وعدم تحمل المسؤولية عن حماية الأرواح لحماية البلد!