ظهّر رماد بلدية طرابلس الصورة الكاملة لبقايا سلطة مهترئة متفحمة ما استمرت على كراسيها لو تمكنت ثورة 17 تشرين من بلورة البديل السياسي.
خلال الأيام القليلة الماضية أعادت فيها الفيحاء إحياء روح 17 تشرين، ووضعت نقاط اللبنانيين على حروف المافيا المتسلطة التي تستقوي على المواطنين ببندقية الدويلة، بالتأكيد أن التغيير السياسي بات الأكثر إلحاحاً لإنقاذ القليل المتبقي من مقومات البلد.
بالنار والرماد وتهديد طرابلس بالجحيم، ومحاولة إلباسها ما ليس من نسيجها لوسمها بالتطرف حتى يسهل التطويع والمضي في التهميش، ظهر للملاء حجم السقوط المريع، على كل المستويات والمعايير: العهد الذي شاخ منذ زمن بعيد، وحكومة تصريف الأعمال التي ما وجدت إلاّ لتغطية نهج الانقلاب على الدستور، ونهج التغول على الدولة، ونهج تغطية المنهبة التي لم تتوقف والمستمرة اليوم عبر”التهريب” العلني للمحروقات والطحين والدواء حتى استنزاف “فلس الأرملة”، ومنع اللبنانيين من تحصيل حقوق لهم على هذه المنظومة ووضع حدٍ لعقودٍ من إنتهاك كرامة شعب مبدع منتج خيّر هو الأكثر صبراً على الضيم!
ومن خلف السنة النار التي أمعنوا في تركها تمتد وتتوسع، إنكشف التواطؤ المخزي لبعض السلطة مع الرعاع الذين استقدموهم في ليل لتنفيذ ما رسم في غرفٍ مغلقة. مارسوا البطش المنفلت وصولاً إلى القتل، والأهداف كانت باتجاهين:
الأول، الإصرار على استهداف الناس وثورتهم، ظناً ممن تحالفوا مع الوباء ضد اللبنانيين، أن بوسعهم قلب الصفحة على كل ما حملته الثورة، من خلال المضي في الهروب إلى الأمام من استحقاق داهم، ألا وهو، حتمية التغيير السياسي المفضي إلى إصلاح حقيقي لا يمكن لمنظومة الفساد أن تصلح ما خربته! قالت جموع طرابلس أن لا بديل عن منحى الذهاب في مسيرة تشرين حتى اقتلاع الطغمة الفاسدة التي لم تغير من نهجها الاستثمار في الإفقار والتجويع والتطييف!
الثاني، توسل الترميد والتخريب ومحاولة شيطنة الثورة والثوار، من أجل فرض أجندة سياسية بائسة، تعدل في موازين القوى داخل منظومة الفساد المتهالكة. أليس مريباً كل هذا الردح بين قصر بعبدا وبيت الوسط؟ أليس مريباً أنه في ذروة الانهيار وبعد أن تيقن أن “ليس لدى الجنرال من يكاتبه”، فارتحل عبر “الأخبار”( وأي منبر هي) في حفلة سجع تحطُّ من المقام الرئاسي والنظرة إليه والدور المرتجى منه، وكأن لا أولوية عند الأكثرية الشعبية المهانة الباحثة عن الرغيف سوى معرفة كيف يتأمن الثلث المعطل وكيف تتوفر الحماية للوريث المعاقب دولياً بعدما عاقبته الثورة منذ انطلاقتها!
من شارك بالردح، ومن تفرج عليه وتشفى، والحزب القائد الذي يريد الكل ضعفاء بحاجة إليه، كلهم أكدوا تكراراً، كم أصبح عميقاً تصدع منظومة الفساد، ولم يعد فيها من أولويات إلاّ “الأنا” لكل طرف من أطرافها، وهو الأمر الذي صوب عليه يوم أمس الرئيس الفرنسي ماكرون الذي قالها كاملة: إنها تركيبة من تحالف مافياوي – ميليشياوي نتج عنه حلف شيطاني جمع الفساد إلى الترهيب!
غير أن الأمر الأخطر الذي يدفعون إليه من وراء محاولة ترميد كانت معدة لطرابلس كما رمدّوا بيروت، تكمن في استهداف الجيش! فقد كشفت ممارساتهم عن منحى حثيث ضاغط بأشكال عديدة يهدف إلى تحويل الجيش، وهو لكل اللبنانيين ضمانة وعمود فقري لكل البلد، إلى ما يشبه جيش أي نظام مجاور، بحيث يفرض عليه التخلي عن عقيدته، واستتباعه للدفاع عن منظومة النهب، المنظومة التي ارتكبت الكبائر بحق البلد، كما بحق كل المواطنين، وبحيث أنه لولا التواطؤ السياسي لما تمكنت أي جهة من استباحة السيادة والحدود وانتهاك الدستور! وهنا نفتح مزدوجين للتأكيد، أن كل شيء يمارس هذه الأيام مكشوف ومفضوح ومعروف من الناس، والرسالة يجب أن تصل إلى بعض هذه المنظومة المتجبرة التي ترعرت في كنف إحتلال النظام السوري، لا شيء مغطى. انكشف المستور، والأكيد اليوم أن لا حلول أمنية يمكن أن تعيد الاستقرار، وخصوصاً الاستقرار الاجتماعي وهو الأساس لأي استقرار سياسي. كما أنه يستحيل على أي منحى أمني تحويل الأنظار عن الأصل السياسي للمشكلة اللبنانية..لا عودة إلى الوراء. طرابلس قلب الثورة وقبلتها وليست وحيدة..والحلول السياسية بفرض الذهاب إلى مرحلة إنتقالية تقودها سلطة مستقلة عن التحالف المافيوي، قد تكون أقرب، بدليل تخبطهم وتعثرهم وإنكشاف عجزهم! لا لمنظومة إجرامية “نجاحها” الأبرز، أنها تتعاطى مع الناس كأرقام، فيتكرر كل يوم عداد الموت، ليضع أمامنا حقيقة مسؤولية من يتحملون المسؤولية عن الأعداد الكبيرة من ضحايا وباء كورونا القاتل!