حنا صالح – لا الحق سيموت، ولا العدالة ستبقى معلقة، أقمتم نظام محاصصة قاتل حدوده حماية مصالحكم والاستبداد والتبعية، وأنتم تدركون أن العد العكسي الذي انطلق في 17 تشرين لوقف هذا التسلط المتوحش، لا يمكن وقفه، وستجد الأكثرية سبل التنظيم وتظهير أولويات التغيير، فدعكم من الرهان على طي صفحة الضوءالتي تلمس الناس قوة نورها لأنها الحقيقة ! كل رهاناتكم ارتكزت على استحالة الحساب وعلى حماية الدويلة وفائض القوة التي تتمتع بها فكنتم بالجملة أداة تغولها على الدولة! لكن الوقائع أكبر، بوسعكم تأخير الحساب وليس منعه والآتي قريب!
إنقاذ لبنان وأهله هو اليوم غاية الغايات، وما من داعٍ للإنشغال بالصراعات المهينة بين أطراف المنظومة الفاسدة، فلنرفع بوجههم الشعار الحقيقي: إرحلوا..لأن أي حكومة ستشكل، والأمر ليس قريباً، لن يكون دورها سوى تظهير تعديلات طفيفة في موازين القوى بين أطراف الاستبداد حيث لا وجود لمصالح المواطنين. طريق الانقاذ يكمن في بلورة ميزان القوى الشعبي القادر على فرض الحجر السياسي على الطغمة السياسية المستبدة! والمهم بدء السير الحثيث لبلورة القدرة لدى الناس، فيسقط على الفور كل تهويل، لأنه كما أخرجت ثورة تشرين كل المنظومة السياسية من الفضاء العام والزمتها منازلها فغابت المواكب والتشبيح، وذهبوا إلى اعتماد السرية في تنقلاتهم، فإن الحجر السياسي الشعبي هو الهدف لأنه بداية الإنقاذ!
مقولة واحدة في أذهان كل الناس، ولو أنهم لم يعبروا عنها صراحة: من ارتكب الكبائر يجب إرساله إلى القضاء كي يحاسب وينبغي منعه من الترشح اللاحق لأي موقع مسؤول! ومن ارتكبوا الكبائر هم السبب في العوز! وهم السبب في موت الناس جوعاً! وهم السبب في جريمة الرابع من آب وإبادة نصف العاصمة! وهم السبب بكل هذا القتل نتيجة تفشي الوباء! وهم من يجهد لإسكات العدالة وطي التحقيق في جريمة الحرب ضد بيروت، ففاجأهم القضاء الدولي من فرنسا إلى بريطانيا والبرتغال، فبات الإفلات من الحساب من رابع المستحيلات! وهم من لم يبادر بأي خطوة تحت عنوان استعادة الأموال المسروقة التي طالت جنى مئات ألوف اللبنانيين، فتحرك القضاء السويسري والتحرك القضائي في أكثر من بلد في العالم تنبه إلى حجم جرائم النهب والإختلاس وتبيض الأموال المرتكبة،ولن ينجوا بفعلتهم فالجرم كبير جدا!
صحيح أنهم طيلة 3 عقود مارسوا الاستبداد وحكموا بالبدع بعدما حولوا الدستور وجهة نظر؟ وما طبقوا من القوانين إلاّ ما هو استنسابياً، والأخطر انهم منعوا إثرار قوانين استقلالية القضاء، لتلافي المساءلة والمحاسبة والإفلات من العقاب.. والهدف منع الناس من الوصول إلى حقوقها التي سُلبت عنوة، فعاش البلد عدالة معلقة لأن القضاء مغيب مستتبع رغم وجود قضاة كأفراد مثال للنزاهة، لكن تطورات الأيام الماضية تؤكد أنكم ستدفعون ثمن الجرائم التي ارتكبتموها بحق لبنان واللبنانيين. ولن يستمر لبنان مزرعة تتحكم بمصيره مافيا الإجرام التي تبلورت هيمنتها في ظل احتلال النظام السوري، واتسعت مع إطباق سيطرة حكام طهران!
الوقائع الخارجية المتصلة بجريمة تفجير المرفأ، تتدحرج ككرة ثلج، من طلب تحرك القضاء البريطاني حيال الشركة التي استوردت شحنة الموت ورتبت وصولها إلى بيروت، إلى التوسع في التحقيق القضائي الفرنسي، وتطورات في البرتغال، ما يعني المزيد من المعطيات والوقائع أمام قاضي التحقيق العدلي الذي تردد أنه بحث في طلب مساعدة قضائية خارجية، الأمر الذي يشي بأنه بات من المستحيل وقف التحقيق في جريمة تفجير المرفأ وبيروت، وسيطال التحقيق الرؤوس الكبيرة، لأنه انتهى زمن البحث عن تركيبة الخطأ الإداري والإهمال وإلصاق المقتلة بضحية من الأتباع!
على أن المسألة الأخطر، هي المرتبطة ب رياض سلامة، الذراع القذرة لكل اللصوصية التي أقدمت عليها الطغمة السياسية منذ العام 1993، ما فرض على هذه اليومية عدم التوقف اليوم أمام الجرائم المتأتية عن الاستهتار بالوباء القاتل والأدوار الكارثية من جانب حكومة الدمى ووزارة الصحة ووزيرها الاستعراضي، إلى الجرائم الموصوفة من كارتل المستشفيات وكارتل الإتجار بالدواء.
قصة رياض سلامة الذي مازال يجد أكثر من “كعكي” و”غانم” لتبيض صفحته وكشف صفحاتهم، هي رأس جبل الجليد لكثير مما جرى طيلة 3 عقود وتسبب بكل هذه الانهيارات. الأمر البالغ الخطورة أن القضاء السويسري عندما وجد عمليات تبيض أموال مرتكبة من جانب شركة سويسرية، تحدث عن تبيض أموال وتحويلات ارتبطت بتبيض الأموال تتصل بشكلٍ أم بآخر بمصرف لبنان! إنها إذن سمعة مصرف لبنان وأكثر من السمعة؟ وعندما تحدث الطلب القضائي السويسري في رسالته إلى بيروت عن مساعدة قضائية من القضاء اللبناني لأن الأمر يتعلق “بالاختلاس المحتمل”، استند في ذلك إلى المادة 305 مكرر من قانون العقوبات السويسري، التي تتيح للجهات المختصة( السويسرية طبعاً) الاطلاع من قبل الوسطاء الماليين، كمصارف أو مؤسسات، على ما تملكه من “معلومات وملاحظات وأسئلة وشكوك قد تدفع إلى الاعتقاد بأن مصدر الأرصدة الموجودة في حوزتهم مشبوه أو من أصل جرمي”! وقد اورد هذه المعطيات الدقيقة الإعلامي اللبناني المقيم في جنيف الزميل موسى عاصي.
إذا عطفنا ما تردد عن تجميد مئات ملاين الدولارات في سويسرا حتى إتمام التحريات القضائية، وبدء القضاء في بريطانيا وفرنسا وأميركا وموناكو تحركاً مشابهاً، فالأكيد أن كرة الثلج بدأت تتدحرج. هنا ينبغي العودة إلى المؤتمر الصحفي الشهير للرئيس الفرنسي ماكرون في 27 أيلول الماضي، وهو بالمناسبة مصرفي سابق. تحدث ماكرون عما يجري في القطاع المصرفي اللبناني وفي مصرف لبنان وركز على ضرورة الذهاب سريعاً إلى التدقيق الجنائي! كانت أمامه ولا شك الكثير من المعطيات عن المنهبة غير المسبوقة التي شملت واردات الدولة وودائع الناس، لأنه لا يغيب عن الرئيس الفرنسي واقع أن ملكية نحو 50% من القطاع المصرفي تعود إلى المنظومة السياسية الفاسدة، ويعرف أيضاً أن الهندسة المالية التي أقدم عليها سلامة في العام 2016 وقضت بتوزيع نحو 5 مليارات و500 مليون دولار على المصارف ومن هم خلفهم شملت كل الطبقة السياسية، وربما لم تكن الأولى، ويعرف أن منظومة الفساد مددت في العام 2017 وبالإجماع للحاكم! كان ذلك بمبادرة من عون وبصمت حكومة سعد الحريري، فيما واظب سلامة نهج خداع الناس من أن سعر الصرف تحت السيطرة والليرة بخير حتى تمت أفظع عملية لصوصية في التاريخ!