راجح خوري – في النهاية كل ما يقال عن محاولات للخروج من ازمة تشكيل الحكومة، لن يكون له بالتالي إلا طريقة واحدة مُرة، ولست ادري من هو المستعد لأن يبتلعها بعد كل ما قيل بين بعبدا وحواشيها الحزبية وبين “بيت الوسط” وما يعنيه لا للطائفية السنية وحدها بل لنواة الجبهة السنية – الاشتراكية التي اجتمعت في منزل الرئيس تمام سلام لمواجهة ما سمّته الإنقلاب على الطائف، الذي من الواضح ان عون وتياره و”حزب الله” يقفون خلفه!
الخروج من الأزمة الحكومية لن يكون إلا عبر جرعة مُرة شخصية تلتصق بتاريخ من سيتراجع ويعتذر، ليرمّم الحوار المقطوع بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري. والمشكلة انه عندما يتهم عون الحريري بالكذب علناً ويسرب الكلام، ويردّ الحريري عليه بالقصيدة البريطانية المفعمة التي تتهم عون وصهره جبران باسيل بالأكاذيب والاضاليل والغباء، فان ذلك يقطع فعلاً الطريق على أي حل معقول عبر التراجع او ابتلاع ما قيل، فسيقال دائماً عون إنكسر وتراجع او الحريري إنكسر وتراجع، لكن الأهم من الاثنين انه سيقال دائماً انه العهد المكسور على حافة سلسلة خلافات لا تنتهي وشريط من الفضائح والسرقات يندى لها الجيين.
من المناسب هنا ان نتذكر كلام عون عن ان الطبقة السياسية هي التي تحمي الفاسدين لانها تستفيد من ذلك بطريقة مباشرة، ولكن السؤال: ماذا فعل عون قارع طبول الإصلاح والتغيير لمحاربتها، وهل أوقف واحداً من الفاسدين والبلد يعج بدود الفساد؟ لكن الأمر هو تماماً كما قال حسان دياب في كتاب استقالته بعد انفجار ثورة 17 تشرين الأول التي تغلي الآن تحت الأرض مثل بركان سيجرف الجميع في النهاية، من ان “منظومة الفساد اكبر من الدولة ونحن لا نستطيع التخلص منها”.
كان يُفترض منذ البداية ان يقوم عهد قوي حديدي إصلاحي منذ ترتيب تلك التسوية السياسية التي رتبها الحريري وباسيل واوصلت عون الى قصر بعبدا، لكنها اقامت بكل صراحة شركة حلبية بين الحريري وباسيل لتقاسم جبنة العهد، برضى واضح من “حزب الله”، الذي كان يراهن وبشكل تصاعدي على تعثّر العهد واهترائه وفشل النظام، ولهذا بدأ الحديث عن المؤتمر التأسيسي من زمن بعيد، وهو ما يلاقي اليوم ولو لأهداف ربما متناقضة، رهان عون وباسيل على تعديلات دستورية، كان آخر ملامحها الخلاف على دور رئيس الجمهورية كشريك يتجاوز دوره حدود التشاور مع رئيس الحكومة المكلف ليكون شريكاً في تقرير الشكل والعدد وفرض الأسماء في التشكيل الحكومي وهو ما لم يرد في الدستور.
لقد تعب البطريرك الراعي من مناشدة الرئيسين التوافق والتفاهم والعمل لتشكيل حكومة مسؤولة تحاول انتشال لبنان من بحيرة القذارة والسرقات والفساد، وكلها جائحات نزلت بنا قبل الكورونا، لكن صوت بكركي لا يصل لا الى بعبدا ولا الى الحريري. إلا ان المحزن في هذه المسخرة هو ان يعقد باسيل مؤتمراً صحافياً الأحد الماضي يقول فيه: “نحن لا نأتمن الحريري على الأصلاح ونحمّل نهجه السياسي مسؤولية التردي الذي حصل، ولن نعمل له وكالة على بياض ونسلمه البلد”، هذا في حين اتهمه عوم بأنه كاذب ثم يدعوه الثلثاء الى زيارة بعبدا لحل المشكلة الحكومية، لكن الحريري رد بكلمتين، اولاً: التشكيلة الحكومية عند عون وهو الذي يؤخرها، ثم رد على اتهامه بالكذب… وليس من الواضح الآن كيف يمكن ترميم هذا العهد المكسور!
المصدر: النهار