1. Home
  2. زوايا
  3. غسيل الأموات.. أحياء في خدمة الموتى
غسيل الأموات.. أحياء في خدمة الموتى

غسيل الأموات.. أحياء في خدمة الموتى

294
0

تحقيق: محمد الشحيمي – من الممكن أن يكون موضوعنا غريباً بعض الشيىء ولكن اليوم تختفي هذه الغرابة ففي زمن كورونا هذا الاجراء التكريمي للميت بات يحصل على عجل وبسرعة، وإذا رغبت بقراءة هذا التحقيق يجب أن تتمتع بقلب جريىء ولكن يجب أن نتذكر دائما ان هذا الموضوع يتعلق بأنفسنا عندما نغادر هذه الحياة وبأن كل شخص سيمرّ بهذه المرحلة قبل دفنه. فقليلا من الأشخاص بل نادراً ما يرحبون أو يقبلون العمل في وظيفة غسل الموتى أو التطوع فيها، ولكن يجب إعادة النظر بهذه المهنة لأن هذه العملية هي تكريم للميت أكثر من فكرة نقبلها أو نرفضها. كثير من الأشخاص ينظرون إلى العاملين في هذه المهنة بنظرة تشاؤمية مع العلم أنهم الرقم الصعب لأنهم يزاولون المهنة التي يهابها الجميع.

أمارسها منذ 35 سنة لوجه الله
لكن مع ذلك وجدنا من بين هؤلاء الأشخاص ممن تقبّلت الموضوع برحابة صدر وإيمان كبير وكان لها بذلك وجهة نظر قوية حيث تروي “أم علي – 60 عاما” التي تطوعت لممارسة هذه المهنة منذ 35 سنة وهي تمارسها مجانا ولوجه الله تعالى لما تجلب لها الأجر العظيم والثواب الذي تناله، وتضيف بأنها ممن لديهم الخبرة وعلى دراية في هذا المجال.
إعتادت “أم علي” على غسل الأموات الإناث وتقول بأن من لديه إيمان بالله لا يخاف من الموتى لأن الموت حق لبنى آدم وكلنا على هذا الدرب. ومن ثم تشرح كيف تتم عملية التغسيل، فلهذه المهنة أساسيات وشروط، فبداية تقوم بإزالة الماكياج في حال وجودها على الجثة ومن ثم تبدأ عملية الغسل وعندما تنتهي تضع عطر الكافور والحنة وتقوم برشه على الميت قبل تكفينه ووضع القطن في أذنيه وفمه وأنفه ومن ثم تكفّنه وتطلب من الناس مسامحته. تضيف بأن أهم ما في الأمر السترة، فالذي يغسل الموتى يجب ألا يخبر ما رأى وكما يقول الدعاء “اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك” فسترة الميت من أساسيات هذه المهنة.
أشعر بالضيق حين تزورني
إتفق الكثير من الناس على أن الأمر لا يخلو من الرهبة والخوف لأنه أشبه بلقاء ومواجهة مع الموت، وبأن هذا أمرا عظيما على النفس يصعب عليها تقبله. فتقول سامية أن إذا الشخص تكلّم عن هذا الموضوع يقشعر بدنه فكيف إذا مارسه، أما كريم يقول بأن هذه المهنة تتطلّب قلبا قوياً فإذا كان الشخص ضعيف الشخصية ويهاب هذه الأمور لن يمارسها طبعا. ترتبك لينا وترجف وتقول بأن الفكرة تخيفها ولا يمكنها الجلوس مع شخص يعمل بهذه المهنة في المكان نفسه وتضيف بأن حماتها تمارس هذه المهنة وتشعر بالضيق والإشمئزاز عندما تزورها في منزلها. أما رولا تقول بأنه إنسانا طبيعيا مثلنا ولكنه اختار هذه المهنة فلما نخاف منه، فكل شخص منّا معرّض للموت في أي لحظة.

أولادي يتعرضون للمضايقات بسبب مهنتي
تقول “أم علي” أن الناس في القرية يحبونها ويحترمونها كثيراً وهي على علاقة طيبة بهم على عكس ما يعتقد الناس بأن الذي يزاول هذه المهنة يكون مكروها في المجتمع ويعبرون عن إعجابهم بشجاعتها. كما أن أولادها فخورين بها على الرغم من أنهم كانوا يتعرّضون للمضايقات في المدرسة بسبب مهنتها إلا أنهم اعتادوا على الموضوع وعندما كبروا علموا مدى إنسانيتها وشجاعتها ودعموها وقدّروا العمل الذي تقوم به.
تضيف بأنها دائما تشجّع الفتيات في القرية على تعلّم هذه المهنة منها لكي يمارسهن بعد وفاتها، فأحيانا تدخل معها فتاة لمساعدتها بهدف التعلّم. ومن أهم أساسيات تغسيل الجثة هو أن يكون الشخص جريىء ولا يشعر بالإشمئزاز لأن الميت ممكن ان يكون قد توفي في حادث سير حيث تكون الجثة مغطاة بالدماء، أو توفي حريقا وأكرر يجب أن يستر عليه وألا يتكلّم شيئاً عن الميت بعد غسيله.

رعب ينقلب لكوابيس في الواقع
بالنسبة لنبيل فهو لا يفكر في الموضوع أبداً بل هو مستحيل بالنسبة له بسبب الخوف الذي يصاحب رؤية الموتى والتفكير في الموت نفسه فهو لا يملك قلبا قويا وهذا من أهم الأسباب التي تمنعه من مجرد المحاولة ولو كان وظيفة براتب جيد بالإضافة إلا أنه لا يذهب لتأدية واجب العزاء لأن فكرة الموت كلها تخيفه.
أما هبة فقالت أنها لم تفكر من قبل في الموضوع ولا تتخيل ردة فعلها لأنها بكل صراحة لم تخض هذه التجربة ولم توضع في هذا الموقف من قبل، لكنها تعتقد أنها في حالة الضرورة ربما تقبل وتوافق أن تقوم بها خاصةً إذا كان الميت مقرباً منها جداً.
عبّرت هيفا بان الموضوع صعب ولا تتخيل نفسها في مكان واحد مع الموت ولو حتى لمجرد المشاركة والمساعدة والسبب بالنسبة لها أن النساء ضعيفات القلوب تجاه هذا الموضوع وذلك لما يحمله من خوف شديد ورعب ينقلب لكوابيس في الواقع قبل أن يكون بالأحلام.

لا أنسى وجهها الذي يشعّ نورا
تضيف “أم علي” أن أصعب الحالات التي تربكها أثناء عملها هي حالات الحروق حيث تقوم برشها بالماء فقط دون الفرك. وتتذكر أنه في إحدى المرات كانت تقوم بتغسيل طفلة في التاسعة من عمرها حيث لا زالت صورتها حتى اليوم في ذاكرتها إذ كانت وجهها يشعّ نورا ومبتسمة كأنها نائمة. وتقول أنها تتعاطف مع غسيل الأطفال لأنهم أبرياء، فهم لا ذنوب لهم ولا خطايا عليهم وتتأثر عندما تقوم بتغسيلهم.
وتنهي حديثها بأن وظيفة غسل الموتى وظيفة وقورة ومن يعمل في مثل هذه المهنة التي توجد في كل أركانها الرهبة والخوف هو بالفعل إنسان ايمانه كبير وقلبه قوي، فكل الموضوع يحتاج لشجاعة وقوة إيمان وهذا ما سوف يزيد في نفس الإنسان بعد كل عملية غسيل لميت، فقلبه سوف يزهد بالدنيا الفانية ومن ثم يزيد بالطاعة وفعل الأعمال الخيرة والطيبة وتجعله يتقرّب من ربّه، فالخوف الحقيقي الذي يجب أن يكون في قلوبهم ليس من الموت ومن مواجهته بل من الله وعقابه.