حنا صالح – أقل من 3 أيام تفصل عن بداية العام 2021، فيودع لبنان عقداً من أخطر العقود التي مرت عليه، ويودع سنة كانت الأسوأ عالمياً، فيما تمددت لبنانياً كسنة كارثية شملت كل الجغرافيا اللبنانية. ظلام وجور منظومة مافيا الحكم التابعة والمرتهنة اجتاح المدن والبلدات والقرى وأبعد البيوت، فلا الانهيارت المالية والاقتصادية والاجتماعية وفرت مواطن، وما من أحد بمنأى عن خطر وباء قاتل عجلت هذه السلطة الفاسدة في التسبب باستقدامه وتهديد حياة اللبنانيين، وقبل نهايته كشفت سلطة الفساد والنهب عن إصرار مخيف على طي صفحة العدالة ولو أدى ذلك إلى قتل ضحايا تفجير المرفأ مرة ثانية..
لكن العام الذي يطويه لبنان، رسم أمام الأكثرية معالم طريق فعلي لاستعادة الحقوق وانتزاع المطالب وصون الكرامات، تمر عبر السعي إلى فرض تغيير سياسي حقيقي وهو استحقاق وليس خيار من خيارات، متوفرة ظروفه الموضوعية، ينتظر بلورة الأدوات، والأبرز عمل سياسي منظم يصل إلى المناطق وبالأخص الأرياف التي تعتقد قوى التقليد والفساد أنها تمسك هناك برقاب الناس، وهذا المنحى ضرورة كي يتمكن الناس ، أهل البلد، من صناعة قدرهم وقدر بلدهم المثخن بالجراح! نعم هناك أولوية لبلورة ميزان قوى يعكس إرادة الناس وحرصهم على استرداد الدولة المخطوفة، والأمر يتطلب الذهاب إلى فترة انتقالية تقودها حكومة محايدة، لا يمكن انتشال البلد بدونها، ولا يمكن مد البلد بأي دعم بدونها، ولا يمكن كوكبة اللبنانيين وحشد طاقاتهم وقدراتهم للانقاذ ولاستعادة لبنان بدونها!
يورث عام 2020 فراغاً سياسياً لم يعرفه لبنان. عموماً تنتظر الطبقة السياسية الاملاآت ولم يتغير شيء منذ تسليم قرار البلد لحزب الله في صفقة العام 2016. هذه المنظومة التي تعرت وانكشف فسادها كانت قيد السقوط لولا اتكائها على فائض قوة الدويلة التي تولت حماية نظام المحاصصة الطائفي.. ليس حباً بهذه الطبقة، بل لكونها طيّعة في خدمة الأهداف الموكلة للحزب كجزءٍ متقدمٍ من مشروع أكبر، هو مشروع حكام طهران الذي فرملة العقوبات الأميركية اندفاعته فانكفأ مؤقتاً ولكن لم يتبدل، وهو ما كان موضع الإطلالة الأخيرة لزعيم حزب الله وما حملته عندما لم يجد من وظيفة للبنان سوى تكريسه كجبهة إسناد للمحور الايراني في المنطقة! وكساحة مكرسة لخدمة أجندة حكام طهران، قافزاً فوق هموم الناس ووجعهم وجراحهم ومعاناتهم والعوز الذي يلف حياتهم، ومعلناً الجهوزية للانتقام لدماء قاسم سليماني لأن ذلك “ليس واجباً إيرانياً فقط”! لكن الأخطر القراءات المتعددة للخطاب والتي توقفت عند الاتهامات المساقة ضد السعودية وزجها بما يروج له من دور في “عدوان ثلاثي” أدى إلى مقتل قاسم سليماني! وقد استوقف ذلك جهات متقاطعة حذرت من أبعاده، وعلى سبيل المثال فإن جريدة نداء الوطن تحدثت عن “أرامكو 2” أي استهداف المنشآت السعودية الحيوية كردٍ لحفظ ماء الوجه، وهو رد يستبعد القوات الأميركية وإسرائيل، رغم تأثير مثل هذا الفعل لو ارتكب على كل الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة، فيكون المحور الايراني وطهران بالذات بمنأى عن الرد! هذا ما يرونه ويعتقدون أن التلطي ممكن وراء الحوثي أو سواه!
حل أزمة العجز عن التحاصص الحكومي مرتبط إذن بكلمة سر لم تصل بعد من طهران، ويتردد أن تصريف الأعمال سيطول حتى الربيع، وهذا الأمر ركز عليه جنبلاط وفضحه ممثل أمين عام الأمم المتحدة يان كوبيتش الذي حذر من تداعيات غياب الحكومة على مصالح حيوية للناس والبلد، ولا يغير أمام الناس من حقيقة أن منظومة الفساد هي من تسبب بالأزمة المتعددة الأوجه، وأن أولوياتهم كمافيا متحكمة “لا رب لهم سوى مراكزهم ومصالحهم ” على حد قول المطران الياس عودة.. وبديهي أن هذا الوضع هو النتيجة المباشرة لمصادرة قرار البلد ورهن مصيره بمشيئة طهران ومحورها ومصالحه، كما أكد البطريرك الراعي الذي قال بشكلٍ مباشر وصريح:”أي ضمير يسمح بربط إنقاذ لبنان بصراعات لا علاقة لنا بها”..وإن “وضع الشروط والمعايير المستحدثة يربط تأليف حكومة لبنان بصراعات المنطقة والعالم”!
وفي سياق التردي الخطير التعامل مع خطر الوباء المتحور، لا نية لإقفال المطار ولا نية لاتخاذ قرار وإجراءات حجر جدية، وكل التعامل الرسمي مع الوباء القاتل يطرح الأسئلة الكبيرة، وكثر الأطباء الذين يطرحون السؤال : ما العمل لو ارتفع عدد الإصابات اليومي إلى أكثر من 4 ألاف؟ ومن هي الجهة المعنية بالبحث عن حلول وتتحمل المسؤولية؟..لكن الجدل واللغط دار حول ما أشيع وتم نشره من أن رئيس الجمهورية لن يأخذ اللقاح، ثم حدث التراجع بعد أن تم التنبيه للخطر الناجم عن مثل هذا الموقف(..) وما زالت المخاوف الكبيرة ترتسم وتبرز علامات قلق جدية حول المخاطر التي تحيط بحياة اللبنانيين!
وبعد، ستار من الكتمان يلف موقف محكمة التمييز، كما أن مهلة الأيام العشرة التي حددها القاضي فادي صوان لوضع دفوعه قد انتهت، وما من معطيات عن الخطوة التي سيقدم عليها، فيما المعلن أنه حدد مواعيد للمدعى عليهم دياب وزعيتر وخليل وفنيانونس ابتداء من الرابع من كانون الثاني المقبل، أي موعد دخول البلد الشهر السادس على جريمة الحرب ضد المرفأ وبيروت ولبنان، وما أنجزه التحقيق حتى الآن متواضع ومحدود، فيما الهجمة الرسمية على التحقيق التي يقودها المجلس النيابي، خصوصاً رئيسه المدعوم بقوة من جزب الله، بلغت ذروتها وقد أشار وليد جنبلاط بالأمس أنهم لا يريدون التحقيق لأنه “قد يطال أقرب الناس لبعض كبار المسؤولين” .. وتتردد الإشاعات التي تقول ( وهذا ردده أيضا جنبلاط) من أن القاضي صوان أمام حائط مسدود(..) وقد يطلب التنحي، والبعض يقول ستتم تنحيته عن الملف، ولن يجرؤ أي قاض بعده على تسلمه! والنقص بالمعطيات أمر نبّه إليه كثيرون إن لضعف الامكانات التي يتطلبها مثل هذا التحقيق أو لضعف تعاون بعض الأجهزة الرسمية، وفي الذهن تصريح محمد فهمي: لن أنفذ أي قرار بتوقيف أي مسؤول؟؟ وهنا ولسان المتضررين وبالأخص أهل الضحايا وهم يرددون مع الدعم الكامل للتحقيق حتى كشف كل الحقيقة وفرض المحاسبة، لا بديل عن تنظيم حملات شعبية وحقوقية وقانونية للاستعانة بلجنة تحقيق دولية بالاستفادة من المواقف الدولية الداعمة لهذا المنحى: ولن نسامح ولن ننسى..
وحتى لا ننسى تحية لأهل المنية الذين لم يرتضوا بقاء لاجيء في العراء. تحية للأكثرية التي نبذت عنصريين مدفوعين لا رتكاب جريمة حرق المخيم. وليكن واضحاً من يقتل السوري في سوريا ويقتلعه من أرضه ويهجره، هو من خلال خطاب الكراهية والتحريض مسؤول عن جريمة حرق المخيم في لبنان ويستحيل أن تكون الجريمة نتيجة إشكال فردي. لنتذكر نحن شعب الهجرات ولنفكر ملياً..
واليوم يعود الطلاب إلى الشارع. يعودون بدعوة من الهيئات المنتخبة ومن النوادي العلمانية، وقضيتهم لا تعنيهم وحدهم، بل هي قضية الأهالي وقضية البلد والتعليم. الأقساط الجامعية والدولرة المفتوحة وتسليع التعليم قضية وطنية وثورية أيضاً، وتندرج في سياق المواجهة العامة مع منظومة فاسدة، اتبعت نهج المحاصصة والتهميش، والإصرار على إقصاء الطلاب عن عملية اتخاذ وإنتاج القرارات..لذا أكد الطلاب استمرار المعركة ووجهوا الدعوة إلى التجمع في الحادية عشرة قبل ظهر اليوم أمام مدخل الأميركية في شارع بلس.