حنا صالح – قبل عشرة أعوام حرق البوعزيزي التونسي نفسه وبدأت مرحلة جديدة في تونس وفي طول المنطقة العربية وعرضها، سيقال فيها الكثير أكثر مما قيل، لكن الأكيد أنه بعد العام 2018 وخصوصاً من العام 2019 بدأت مرحلة جديدة في الجزائر والسودان وبالأخص في العراق ولبنان، يجمع بين هذه المحطات الأخيرة مطلب التغيير كضمانة للعدالة والإصلاح وتلبية المطالب المشروعة ووقف انتهاك الكرامات.
لكن ما ميّز ثورة تشرين في العراق وفي لبنان، تمثل في مطلب حقيقي وهو استعادة الدولة المرتهنة وإقامة السلطة النابعة من المواطنين، وفرض السيادة كاملة دون شريك. وأن الشرط الشارط لذلك يكمن في إنهاء تغول “الحشد الشعبي” هناك و”الدويلة” هنا، حتى يكون بالامكان إعادة تكوين سلطة تستجيب لمتطلبات الناس وبالأساس تكون قادرة على انتشال البلدين من الحضيض..وما يجمع بين المحطات تمثل في نضوجٍ شبابي راهن وما يزال على النضال السلمي، المنطلق من قناعة أن وعي الناس إلى مطالبها هو المفتاح للتغيير، فتكوكب حول الثائرين ألوف مؤلفة عكست منحى مغايراً وبدأت بقع الضوء تنتشر!
قبل 136 يوماً ضربت جريمة حرب مرفأ بيروت، تم تفجير المرفأ والعاصمة مع إبادة بشرية أكثر من 200 ضحية وأكثر من ألف معوق وما زال ألوف من الجرحى يضمدون الوجع، وعشرات ألوف المساكن لم ترمم بعد واحتمالات نسف النسيج الاجتماعي للجزء المنكوب من بيروت خطر مقيم! هذا الحدث لا يقارن بأي حدث آخر، هزّ العالم الذي تعاطف مع اللبنانيين مقابل تمسك الجائرين بكراسيهم، وفي المنطق كان ينبغي للثورة التي دخلت البيوت، وتفعل فعلها عند كل منعطف، أن تكون في حالة مغايرة، رغم ما بشرت به الانتخابات الطلابية من تحول تغييري، وكذلك ما شهدته الجامعة الوطنية على مستوى تمثيل الأساتذة..
لكن الأمر الأكيد، أن قوى المافيا الطائفية المسيطرة على لبنان تمتلك الكثير من القدرات التي تهدد بتعليق منحى التغيير، والتعليق هنا يعني عودة إلى الوراء مع ما سيترتب عن ذلك من أثمان كبيرة على الناس، فهذه القوى المحترفة النهب والسطو والتبعية للخارج وتعريض مصالح الوطن وأبنائه في الداخل والخارج لخطر أكيد، والتي اعتادت القتل بدم بارد لن تتأخر لحظة عن قتل الأمل الذي أوجدته ثورة تشرين من أن لبنان آخراً ما زال ممكناً!
كثيرون مطالبون بالتفكير والعمل، والعمل الجدي مع من هم أصحاب مصلحة بالتغيير، وهم ناس منتشرة على اتساع الرقعة اللبنانية وفي المغتربات، لأن الثابت والأكيد أنه منذ زمن، وبالتأكيد منذ ما قبل الجريمة ضد الانسانية في الرابع من آب، لم تعد الأساليب النضالية التي اتبعت سابقاً تحقق الغاية المنشودة اليوم. هذه الحقيقة أدركتها منذ زمن القوى المضادة، قوى التسلط التي بدأت اندفاعة مختلفة، مطمئنة إلى ظاهر السكونٍ الذي تمر به قوى التغيير. هذه القوى آخر همها أنها تسببت بالمجاعة ونهبت وتركت الناس بوجه الجائحة، وتتعامى عن مسؤوليتها وجود ما يزيد عن 20% من اللبنانيين بالكاد يحصلون وجبة غذاء يومية، وتتعامى عن سياسة إلحاق البلد قسراً بمحور الممانعة الذي تقوده طهران، ما عجّل في تشلع البلد المهدد بالاندثار، أولويتها إعادة الحياة إلى نظام المحاصصة الطائفي، المولد للفساد والحارس لرموزه رغم ارتكابات التي لم تتوقف جهاراً نهاراً، والمحروس ببندقية الدويلة التي شكل استئثارها بجزء كبير من واردات البلد وإمكاناته أحد أبرز عناصر تسريع الانهيار!
الهجمة المضادة تسارعت مع انتقال المحقق العدلي القاضي فادي صوان إلى مرحلة متقدمة كان التعبير عنها الادعاء على رئيس حكومة ووزراء وأمنيين كبار كجزء من مروحة ستشمل كما بدا كل من كان في موقع المسؤولية العليا منذ العام 2013! ببساطة قال الادعاء أن جريمة بهذا الحجم وتحمل عناصر العمل الارهابي، لا يمكن أن تقيد ضد مجهول، ولا يمكن أن يغطيها اتهام موظف ما مهما علت رتبته! بل هناك من هم أصجاب الحل والربط ممن بيدهم قرار البلد تبلغوا أن الدمار سيطال العاصمة ولم يتحملوا المسؤولية الملقاة قانوناً عليهم، وهؤلاء عليهم الإجابة على اسئلة قاضي التحقيق، وهي أسئلة كل اللبنانيين! وقال الادعاء الجريء والنوعي أن زمن غياب المساءلة والافلات من الحساب قد انتهى، وقال أكثر أن القضاء يمكن أن يكسر القيود السياسية ويلاقي الثورة في حلمها بتحقيق العدالة واستعادة الجمهورية وأن بين أبرز المداخل إلى ذلك أن يكون الجميع تحت القانون!
فتح الباب أمام المحاسبة أربك الطغاة، الذين باشروا الانقضاض على العدالة بإجراءات التفافية لشل التحقيق، وتزامنت الحملة مع حملة إعلامية بلغت مرحلة خطرة عندما اقتحمت البيوت واحدة من الشاشات ليل أمس وهددت اللبنانيين: العدالة تؤدي إلى العنف! مع سعي إلى تحميل الثورة نتائج ما أوصلوا البلد إليه، وراحوا آل غانم والبيك الزغرتاوي وقد نصبوا انفسهم قضاة فوق القاضي يلقنون الرئيس صوان أصول التحقيق ويهولون على الناس، وقد لاقوا سعي مجلس النواب ورئيسه خصوصاً تطويق العدالة بكل ما فاضت به قريحتهم من احتقار للقانون وفوقه الضحايا! وقد هدد البيك اللبنانيين بالفوضى(..)، وهو شريك عهود الفساد منذ 3 عقود وأعاد للأذهان حكاية الكانتونات(..)، لكنه سعى بقوة إلى تحميل الأجهزة الأمنية والجيش دون سواها مسؤولية الجريمة.
نعم لم يبق شيء لم يتم انتهاكه، سرقوا تعب الناس ويمولون التهريب حتى آخر فلس من ودائع المواطنين، ولم يأبهوا أن يُلصق بالصناعة المصرفية أن تتهم أنها أشبه بمعامل تبيض العملة المهربة، كما هربوا العملاء الكبار، ولم يرف لهم جفن في الحكم على كندا الخطيب لأنها قالت لا! وبالتزامن يحولون بعض الاعلام إلى مسلخٍ تهدر فيه الكرامات!
يمضون بالتحدي والاستفزاز وقد تسمروا على مقاعدهم فوق صدور الناس، ويتهمون قاضي التحقيق بأداء “مشوب بالتعمية والمحاباة” وعدم الموضوعية وعدم الحيادية، ويتمترسون خلف الحصانات التي يظنون أنها تفوق من حيث القيمة دماء اللبنانيين التي هُدرت ظلماً! ويطالبون محكمة التمييز بكف يد قاضي التحقيق، الذي آثر تعليق كل التحقيقات لمدة عشرة أيام، كي يقدم دفوعه وكي تقدم نقابة المحامين دفوعها في مواجهة دعوى “الارتياب المشروع”، وهي الدعوة التي أعلنت عبرها منظومة الفساد العصيان السياسي!
الذين التقوا ليل أمس قرب منزل القاضي صوان قالوا بالفم الملآن:”لأن العدالة لا تتجزأ جيبن كلن”، وقالوا لن نتراجع عن معرفة الحقيقة والعدالة.. ومنذ عقود ازدادت في لبنان الحصانات والمقامات وقلت القامات!