حنا صالح – أمر لا يصدق، أوصلت منظومة الفساد والقتل البلد وناسه، حد رفع آيات الشكر عندما يتجرأ مسؤول ويتحمل مسؤوليته لجهة حفظ الكرامات والحقوق وتأمين العدالة! قاضي التحقيق العدلي فادي صوان قام متأخراً بجانب من واجبه، وخطوته كما أكد نقيب المحامين “دليل شجاعة وصلابة وبصيص أمل ورجاء يخرق الجدار باتجاه استقلالية القضاء المنشودة”. ولن يقبل البلد الذي أوجعته جريمة تفجير المرفأ والعاصمة بأي خطوة ناقصة. والآتي قريب، سيفهم من يتطلى خلف السعار الطائفي والمذهبي، أن الدم الذي أهرق، وحده الخط الأحمر ولا يسمو عليه لا مواقع ولا مقامات ولا شخصيات!بالأمس قامت كوكبة من الناشطين وأهل الضحايا بالاعتصام أمام منزل قاضي التحقيق وقد رفعوا يافطة حكلت عبارة:”ألف تحية للقاضي فادي صوان نحن معك ضد المجرمين”.
و”نحن معك وصاحب الحق سلطان”. وطلبوا عدم الرضوخ لأي “مرجعية” سياسية كانت أو دينية، والضرب بيدٍ من حديد” كما طالبوه أن يستمر في مهمته واستدعاء كل المسؤولين وعدم التساهل بدماء الذين سقطوا وبدماء الجرحى! ورفعوا صور سياسيين وأمنيين سابقين وحاليين مطالبين بمحاسبتهم جميعاً..مؤكدين “أن العدالة لا تتجزأ.نعم لمحاسبة جميع المسؤولين السياسيين والأمنيين والإداريين من أعلى الهرم إلى أسفله”..حبذا من اليوم لو تتسع هذه الوقفات من كل حريص على الوصول بالتحقيق إلى الحقيقة والمحاسبة! وليكن واضحاً، أنه بقدر ما يظهر المجتمع حيوية أمام هذه القضية، يكون ممكناً المضي نحو تشييد صرح العدالة ووضع لبنة محورية على طريق استعادة الدولة المخطوفة بالفساد والسلاح!وبعد، اتسعت حملة استهداف العدالة وبدأ الترويج ضد قاضي التحقيق والضغط من أجل تنحيه، وترويج مزاعم عبر أقلام مأجورة أن صوان ليس الشخص المناسب يتأثر بالشارع وبوشوشات سياسية(..).
هذه المنظومة بكل أطرافها تنتفض، لأنهم سعوا طيلة عقود إلى ترسيخ قناعة لدى العامة أنهم فوق الحساب، وحتى اللحظة لم يحاسب أي منهم. أليس مملاً القول أنهم نهبوا وسرقوا وجوعوا وأفقروا وتسببوا بإبادة عاصمة، وما من متهم أمام القضاء وتراهم ماضون في نهجهم، اهتز العالم ولم تهتز كراسيهم، وعندما تم الادعاء على بعضهم بالمسؤولية عن أكبر جريمة بتاريخ لبنان انتفضوا..وبات حملة تشكيك واستهداف من نوع أن الاستدعاء ليس بريئاً ولما تحرك بعد تقديم الحريري تشكيلته، ولا أحد يرى أن الخطوة تمت بعد صفاقة رد البرلمان الفاقد للشرعية الشعبية!
وراحت بعض الأبواق تعتبر مجرد الادعاء على سياسي تسييس والمعنى أن المطلوب حصر كل هذه الجريمة بموظفين صغار!”المقام” ليس مكسر عصا هكذا قالوا! فيما المفترض أن المواطن هو المفترض أنه ليس مكسر عصا، وهو الأساس في الديموقراطية التي تتنافى مع ادعاء مكانة المقامات..عمدوا إلى افتعال الضجيج المذهبي لتصوير الادعاء أنه استهداف فيما غايتهم الافلات من الحساب والمساءلة والعقاب..
وما اندفاعة حزب الله لتزعم الحملة ضد التحقيق، إلاّ لأنه توجس مما يمكن أن يكون وراء الخطوة المتقدمة التي قام بها قاضي التحقيق العدلي. وبالتوازي ينبغي أن يلاحظ المواطن أنه كلما لاح شبح المحاسبة يتجاوزون صراعاتهم ويلتقون بذريعة الحصانة لإسقاط العدالة وإسقاط القضاء وإبقاء الدولة مخطوفة وأسيرة مصالحهم الضيقة!
المحاسبة هي اليوم في صلب الصراع السياسي الدائر، تفجير المرفأ كشف الكثير، وهو التتمة للمنهبة التي طالت جنى أعمار اللبنانيين. وبدء هذه المسيرة، مسيرة المحاسبة في جريمة الحرب التي ارتكبت في الرابع من آب، يفتح طريق الدولة الطبيعية التي تحمي الناس، ويقفل طرقات المزرعة والفساد، ويسقط كل “مشروعية” تحالف الشر المتحكم، تحالف ميليشيات الحرب وميليشيات المال!
إنها لحظة رد التحدي لفضح وإسقاط العصبيات الطائفية والمذهبية التي تحمي تسلطهم واستبدادهم! والذين نزلوا إلى الساحات وصدعوا هذا التحالف الشيطاني بوسعهم فعل الكثير وخوض معركة دفاعية ناجحة.وتبقى الأنظار على زيارة الرئيس الفرنسي في 22 الجاري فحتى اللحظة ليس على جدول لقاءات الزائر لقاء أي مسؤول لبناني ما لم يحصل أمر إيجابي في ملف تأليف الحكومة! لذا قد تقتصر الزيارة على لقاء القوة الفرنسية العاملة ضمن اليونيفيل، والقيادة الدولية..وقد بات واضحاً أن التأليف في عنق الزجاجة لأن الصراع بلغ الذروة، ليس على الاصلاح وفرملة الانهيار وتلبية الاحتياجات الأولية، بل صراع داخل المنظومة على من ستكون له الكلمة لاحقاً لأنه شبه متعذر التوافق على رئيس جديد عند انتهاء الولاية، فضلاً عن خطر يطل برأسه عن احتمال بقاء عون في بعبدا استناداً إلى دراسات يجري وضعها “غب الطلب”!مرة أخرى تتقدم مسألة الحوار مع الناس، وكيف يكون الاستماع للهواجس، وكيف يتم التواصل والتعبئة لحشد حقيقي يبلور ميزان القوى الذي يعول عليه لإسقاط أحلام السوداء لمافيا الحكم..
فبعد الانتخابات الطلابية التي شملت نحو 30 ألف طالب ونتائجها المبهرة، ثم انتخابات الأساتذة في الجامعة الوطنية والقفزة الكبرى للمستقلين، والتأكيد أن ما حدث ما كان ليتم لولا مناخ أوجدته الثورة من جهة ووجود كتل طلابية واساتذة يمكن التحاور والتواصل معهم من جهة ثانية.. أما مسارعة منصات إعلامية تزعم القدرة والفعل للتوحد تحت عباءة حزب ما أو جهة ما، والعنوان انتخابات مبكرة، فبمعزل عن نوايا حسنة وصادقة عند البعض، فإن مثل هذا المنحى يشكل طعنة للثورة وآمال الناس، فالقضية ليست فقط التعويض على بعضهم بمقاعد نيابية لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، بل توفير ظروف حقيقية لاستعادة الدولة وإعادة تكوين السلطة والمسار الانتقالي معروف.