حنا صالح – من أوصل البلد إلى القعر والانهيار هو كل التحالف المافيوي الحاكم، وهذا التحالف المجسد للفساد والافقار والتجويع لا يستطيع انتشال البلد ، وبالأساس لا يريد ذلك. السبب معلوم وهو ما يتطلب تغيير الاتجاه، وأي تغيير سيؤدي إلى الاصطدام بالمصالح التي يمثلها نظام المحاصصة الطائفي المحروس بسلاح حزب الله.
يقولون الحريري سيزور بعبدا اليوم، وربما يحمل معه تركيبة حكومية يعرف أن عون لن يجيزها لكن نقاشاً آخر سيبدأ، وكل أطراف التركيبة المتحكمة يعملون على تجديد التسوية كل وفق شروطه ومصالحه. هنا ينبغي الملاحظة أن ضغوط القصر لفرض تنحي الرئيس المكلف تعثر وهو أمر مستحيل، كما أن حصر القرار بين يديه يحمله أكثر سواه الخسائر المتراكمة، لكنه يستفيد من إلحاح الآخرين على ابتداع تأليف حكومة ظاهرها غير باطنها توفر شيئاً من “الضمانات” لفريقه، وبالوقائع إن عون المتمسك بوزارة الطاقة مقابل المالية لتحالف أمل وحزب الله، يريد أن تضم حصته حقيبة العدل إلى الداخلية والدفاع(..) والطريف أنه يقز فوق “نجاحات” فريقه سابقاً وكل تركيزه على ما بعد انتهاء ولايته مع ما يشاع عن دراسات يتم تحضيرها سداها ولحمتها كيف يبقى عون في القصر الجمهوري إذا تعذر انتخاب الرئيس الجديد! هذا الخطر أطل برأسه في الأيام الماضية رغم التكتم والتغطيات التي ترافقه!
بدوره الحريري الذي يدور في نفس الحلقة ولا يبدو أن هاجسه الحقيقي يتجاوز القول أنه كسر الجمود، تقول أوساطه أنه ينبغي له أن استشراف “الآفاق والنوايا” ويريد الغوص بشكلٍ معمق في الأسماء والحقائب، وهو يتمسك شكلاً بالمبادرة الفرنسية، بعدما أسقط واقعياً “حكومة المهمة”، ويراقب ما سيصدر اليوم عن اجتماع بروكسيل، وإلى أي مدى سيتناول الاجتماع الدور الايراني وتغول حزب الله والتداعيات على أي خطوة داخلية..
هنا نشير إلى أن صحيفة “الأخبار” اوردت ان فريق حزب الله ما زال يحتفظ بأسماء الوزراء الشيعة، وتالياً لا يُعول على ما يمكن أن يحمله الحريري!في كل طروحاتهم ما من التفاتة لا من قريب أو بعيد لمصالح فعلية للبلد والناس، وكأنهم في المضمون يعولون بالجملة على مزيد من الانهيار لإعادة تشكيل سلطتهم. فمشروع الحكومة التي يجري استنساخها يؤكد أن أزماتهم أعمق، والواقع لا يكفي وجود بعض الأسماء بين أعضائها، إن سُمح بذلك، للذهاب إلى تنفيذ سريع للإصلاحات الضرورية التي باتت الشرط الشارط لتوفير الدعم الخارجي؟
وداخلياً فإن الدعم الذي يغطي في جانب كبير منه التهريب سيطرح اليوم، واللافت أن جهات رسمية تريد إبعاد هذا الكأس من خلال مواصلة هدر بقية الودائع، دون التفات إلى تحليق الأسعار وظواهر من نوع تخزين المحتكرين للأدوية والكثير من السلع، والدليل أن كل الحكي عن ترشيق الدعم مجرد “لعي”، فالبلد متروك وما من جهة تحمل أي مبادرة فعلية تنطلق من ضرورة حماية رغيف من هم أكثر حاجة وباتوا نصف الشعب اللبناني وأكثرهم لم يعد يجد حبة دواء!الطريف أنه وسط كل الانهيارات تقدم الجانب الأمني، وكل يوم توزع سيناريوهات، لكن طبقاً لما يجري تعميمه في الإعلام فإن هذا الأمر لم يرد في التقرير الذي قدمه قائد الجيش جوزف عون، ولا في التقرير الذي قدمه قائد قوى الأمن الداخلي عماد عثمان، وكلاهما شدد على جهوزية الجيش وقوى الأمن الداخلي، ومعروف أن تقديرات جهاز المخابرات بين أيدي الأول وتقديرات شعبة المعلومات بين أيدي الثاني. لكن ما روّج له ارتكز على معطيات لدى الأمن العام وأمن الدولة تم نسبها إلى معلومات توافرت من جهات خارجية..وبأي حال البلد بدون سقف سياسي والفساد السياسي وهو أصل مفسدة المنهبة يشجع على أي استباحة، ما يعني أن الأمر يستدعي أعلى الجدية من حيث الاهتمام واليقظة والمتابعة وليس الإعلان الذي بدا وكأنه طرح من أجل خدمة غايات أخرى!
مرة جديدة الرهان كبير على الناس، وهم من صنع ثورة تشرين وهم الأكثر إدراكاً أن استفحال الأزمة واتساع الانهيار وانكشاف دور المتسلطين الذين فقدوا كل أهلية وطنية، يكون بسد الثغرة الكبيرة التي حالت دون فرض حكومة مستقلين عن أحزاب الطوائف والفساد، حكومة تستعيد الثقة وتفتح الطريق لإنقاذ البلد، وتستند إلى رؤية برنامجية ترسم منحى انتشال البلد وتحميل المسؤولين عن النهب والافقار والارتهان ثمن ما تم ارتكابه.
مرة أخرى لا أولوية تفوق أولوية التنظيم الأفقي الذي يتيح الوصول للتجمعات السكانية للمساهمة في شحذ همتها.. ولا بديل عن السعي إلى خلق شبكة أمان وطنية، لأن ما تحمله الأيام الآتية صعب وخطير ومكلف.