حنا صالح – فعلها مصطفى أديب واعتذر، والحقيقة إن متابعة مسار التأليف كانت ستفضي إلى هذه النتيجة لأن الرئيس المكلف أرسل كل الإشارات التي كانت تؤكد أنه يرفض تكرار تجربة حكومة تصريف الأعمال البائسة . وكان يمكن أن يشكل الاعتذار منصة مختلفة لمصلحة اللبنانيين لو أرفقه أديب بتشكيلة حكومية ورمى كرة النار بين أيدي القصر وحليفه حزب الله، لكن ذلك لم يحصل.حتى لا يكون هناك اي خطأ في القراءة السياسية التي أفضت إلى الوضع الراهن، هناك أولاً قرار طهران الحاسم وتالياً مسؤولية الثنائي حزب الله وأمل ومسؤولية القصر بالتأكيد. عموماً فإن إفشال قرار قيام “حكومة مهمة” مستقلة عن أحزاب الفساد، ما هو إلاّ الاصرار من طغمة متحكمة على المضي في الجريمة بحق اللبنانيين من خلال الضرب بعرض الحائط بحقوقهم ومصالحهم، فلم تتورع منظومة الفساد عن الدفع نحوتعميق الانهيار والعوز والمجاعة فيما الوباء ينتشر وتتخوف جهات طبية من أن يترك الناس إلى مصيرهم بعدما تخلت السلطة عن مسؤوليتها في تحضير الامكانات الاستشفائية المقبولة! ولا يرتكب مثل هذه الجريمة إلاّ طغمة تابعة للخارج انتهت صلاحيتها، أو كما ذكر الوزير السابق رشيد درباس في حديث متلفز فقدت أهليتها الوطنية!
وهذا الوضع الذي يعجل من أخذ البلد إلى النار ما وصل إليه لبنان لولا جريمة الدوحة وصفقة العام 2016 !وهكذا بعد نحو الشهر على تكليفه تشكيل حكومة إنجاز برنامج محدد من أجل فرملة الانهيار، أعلن الرئيس المكلف انسحابه، مقدما اعتذاره إلى الشعب اللبناني لعدم تمكنه “من تحقيق ما يطمح إليه من فريق إصلاحي”، بسبب إصرار تكتلات نيابية على تسييس التشكيل، في انقلاب فظ على التعهدات التي قطعتها هذه القوى للرئيس الفرنسي والتي شكلت الأساس للتكليف استناداً إلى المبادرة الفرنسية! لقد جاء الاعتذار في أشد اللحظات السياسية حرجاً. صحيح أن المكلف لم يصبح دولة الرئيس، لكنه في خطوته كسب تقدير الناس وفضح مرة أخرى نوعية الطغمة السياسية المستبدة المتسلطة على رقاب الناس. والأهم أنه في مكان ما أعاد الاعتبار إلى الدستور، الذي نحي جانباً منذ 3 عقود، أي منذ نهاية الحرب الأهلية، وكان يجري استتباعه بداية لمصلحة النظام السوري المحتل، ولاحقاً لمصلحة الدويلة ومن خلفها التظام الايراني. وأعاد الرئيس المكلف الاعتبار إلى موقع رئاسة الحكومة الذي أصابه التهميش وكاد أن يضمحل ليس فقط مع حكومة الدمى التي ترأسها حسان دياب!
ويمكن التأكيد أنه سيكون من الصعب في المستقبل عند تكليف أي شخصية سياسية أن يقدم على تنازلات مجانية على حساب الدستور والموقع وسلامة الأداء الحكومي كما كان يجري! نعود إلى المسار منذ انطلقت هذه المرحلة، فمن البداية عندما وافقت باريس على تمديد المهلة المعطاة لتأليف الحكومة، بدا أن الفرنسيين غرقوا في وحول اللعبة السياسية التي تتقنها منظومة الفساد المتحكمة. قفزوا فوق العراقيل التي رفعها الثنائي حزب الله وحركة أمل وعنوانها وزارة المالية والتوقيع الثالث، والتي أريد منها تكريس نهج الاستئثار والسلبطة على القرار الحكومي والبلد، كتتمة للحالة الانقلابية التي بدأت في الدوحة، والتي من شأن تكريسها أن تفضي إلى “المثالثة” والانقلاب على الدستور. وكان التجاهل الفرنسي لدور القصر، عندما عاد عون وفتح على حسابه استشارات نيابية سداها ولحمتها بلورة رفض منحى عدم تسمية الكتل ممثلين لها في الحكومة، وهاجسه أيضاً الاستئثار والتسلط، ما وضع العصي أمام منحى انتشال البلد! وهنا يتبين أنه كانت هناك قراءة فرنسية مجتزأة لأمر العمليات الذي صدر من طهران بتعطيل المبادرة الفرنسية. كما أنه فات الجانب الفرنسي أن القوى المهيمنة على القرار السياسي في لبنان، ما سارت في المبادرة الفرنسية إلاّ تحت وطأة هول جريمة الرابع من آب، واستغلتها إلى الحد الأقصى لاستيعاب النقمة الشديدة التي نجمت عن جريمة إبادة جماعية، رمدت نصف بيروت.نفتح مزدوجين كي نؤكد أنه باكراً بدأت قوى أساسية تتملص من التزامها، الذي كان يعني قيام سلطة تنفيذية من دون مشاركة مباشرة لأول مرة بعد الطائف، لأن كل الحكومات كانت محاصصات طائفية. استندت هذه الأطراف إلى ذهاب التحقيق في تفجير المرفأ نحو منحى البحث عن مسؤولية إدارية أو إهمال(.. )
وغاب التحقيق الحقيقي في المسؤولية، بدءاً من استقدام شحنة الموت والتخزين في مرفأ مدني هو عصب الاقتصاد اللبناني، والتواطؤ من الجميع على ما هو جريمة قيد التنفيذ، وقد وضعوا جميعاً أمام معطيات عن أن النتيجة ستكون تدمير العاصمة، وجرى ويجري تجاهل التحقيق، دور ومسؤولية المنظومة السياسية رغم أن كل من كان في الحكم وفي المسؤولية، هو من فئة “كان يعلم” وتخلى عن مسؤوليته وقامر بحياة الناس.نعم استسهلت باريس قراءة حقيقة دور طهران، وأنها صاحبة القرار الأخير على حزب الله وفريقه، وتعتبر بيروت جزءاً من هلالها الفارسي، ولم تتوقف كما ينبغي عند رؤية حكم الملالي وأولويته في الصراع مع الأميركيين، وأن لبنان وفق رؤيتهم ورقة في الأجندة الايرانية سيتم استخدامها في خدمة الرغبة الدفينة في التوصل إلى صفقة مع واشنطن بعد الانتخابات الأميركية، سواء أعيد انتخاب الرئيس ترمب أو فاز خصمه الديموقراطي جو بايدن، فلماذا على حكام إيران تقديم التنازل للفرنسيين قبل نحو 5 أسابيع على الانتخابات الأميركية..
والتنازل كان سيفضي إلى دور فرنسي لاحق من شأنه المساهمة في تعجيل قلب المشهد!ويبقى، أن كل الذين ذرفوا دموع التماسيح على سقوط المبادرة الفرنسية وهم من طعنها، لا مكان لهم كطغمة فساد في القيام بأي مبادرة إيجابية، ولا مجال لوقف انهيار سعر صرف الليرة وصعود الدولار، ولا آلية لضبط الأسعار، ولا أبواب مغلقة أمام الجوع. الهريان يتسع، والسؤال – التحدي كيف يبلور جو تشرين الصادق والمرتبط بهموم الناس، آليات الدفاع عن الحقوق وخوض المواجهة ورد التحدي حتى استعادة الدولة المخطوفة بالفساد والسلاح..حتى قيام السلطة الانتقالية التي تفتح الباب وسيعاً أمام التحقيق الدولي، في جريمة الحرب المرتكبة بحق كل لبنان، ومعاقبة المسؤولين بدءاً من رأس الهرم وإنقاذ البلد من مستودعات الموت ! حتى لا تتكرر كارثة “العنبر رقم 12” الخاص بعين قانا، وحيث يعمل حزب الله بعيداً عن أي دور رسمي في مسح الأضرار ويعد الناس بالتعويض لشراء السكوت!