حنا صالح – من الطبيعي أن تفتح جريمة الرابع من آب مسارب جديدة ومنعطفٍ مغاير لكل ما عرفه لبنان، خصوصاً أن ما حصل يوم الرابع من آب كان إبادة جماعية أدت إلى ترميد العاصمة، فأقله يجب أن يُفرض مبدأ المحاسبة على الفور ودون أي إبطاء، لأن الرابع من آب جريمة ضد الانسانية مكتملة الاركان! وألفباء العدالة تتطلب إخضاع الرؤوس الكبيرة قبل الصغيرة للتحقيق!في الشهر الثاني على جريمة الحرب التي ارتكبت بدم بارد، الجريمة التي كشفت كم هو عميق حجم التواطؤ، وكم أن الإهمال ثابت، وكم كان التقاعس هو المشترك بين كل الذين كانوا يعلمون واستنكفوا عن تحمل المسؤولية عن حماية الأرواح ولؤلؤة العواصم.. وبعد المقتلة كم بلغ مدى الارتهان فيمضون في نهج التغطية بوهم القدرة هذه المرة على دفن الحقيقة، فيما عمليات دفن الأحبة تتواصل، وكل مواطن، – والأمر لا يقتصر على بيروت والضواحي-، ماضٍ يلملم بعض ما تشلع، بعدما فقد كل فرد شيء من ذاكرة هي ذاكرة مدينة ووطن، وافتقد راحة وحميمية كانت توحي بها أمكنة ترمدت، وباتت تغيب عن مسامعه أصوات شوارع وأرصفة كان يطرب لها، وفقد أبواب رزق لن تعود! هل من المقبول، أنه وسط هذا الموت والرماد هناك منظومة فاسدين، ذئاب فالتة، ممن يحملون تسمية زعماء وحكام تسببوا في اختطاف الدولة، سيتمكنون من النجاة ولن يحاسبوا على ما أقترفوه إن عن سابق تصور وتصميم، أو نتيجة تقاعس! وواقع الحال ما يراه المواطن هو أن هذه المنظومة ماضية في تعويم نظام
المحاصصة الطائفي المقيت، وهم يتابعون حياتهم كالمعتاد بدليل ما يجري من تناتش على الحقائب الوزارية وكأن شيئاً لم يكن! فيما المواطن المتروك في ذهوله، ما زال حتى اللحظة لا يعلم إذا هناك ضمانة ما ألاّ يكون البلد أمام جريمة حرب ثانية قد تكون أكثر فتكاً وهولاً..2- قبل التوقف أمام ما يدور بشأن الحكومة، لا بد من التوقف أمام التحقيق العدلي. فبعيداً عن المطالبة الشعبية الواسعة والمحقة بلجنة تحقيق دولية لانتفاء الثقة بالسلطة، وبمعزلٍ عن قرارات التوقيف التي طالت حتى الآن نحو 25 بين مسؤول إداري وأمني في المرفأ، فإن الأمر الأهم كان استماع الرئيس صوان لرئيس حكومة الدمى حسان دياب، والمعلومات التي عممتها وسائل الاعلام عن أجوبة دياب، “الرجل الذي لا وجه له” فيها أنه الغى زيارته إلى المرفأ بعد أن استطلعته سرية الحرس الحكومي، وأن قائد السرية الرائد محمد عبدالله أبلغه أن المواد أسمدة زراعية وما من موادٍ شديدة الخطورة، فعدل عن الزيارة(..)، وعملياً أهمل التقرير الخطير الموجود أمامه من جهاز أمن الدولة والذي يحذر من خطر تدمير بيروت، وذهب في الاهمال إلى حد طلب رفع الموضوع عن جدول أعمال مجلس الدفاع الأعلى! أمام جريمة الحرب والإبادة الجماعية، وأمام العاصمة التي يتعذر عليها أن ترقد بعد سقوط 194 ضحية ونحو 7 آلاف جريح وتشريد ما يزيد عن 300 ألف، يثير قرار الاكتفاء بالاستماع إلى دياب الأسئلة؟ نعم الناس تسأل هل أن من صدرت بحقهم مذكرات التوقيف، تفوق التهم التي أوقفوا بشأنها ما هو ثابت على رئيس الحكومة وأقله عَلِمَ وتقاعس؟ ولماذا لم تصدر مذكرة توقيف بحقه خصوصأً وأنه أبلغ أول مرة بحجم الخطر في اتصال هاتفي مباشر من رئيس جهاز أمن الدولة في الثالث من حزيران قبل شهرين على الجريمة! ومن قال أن العدالة لبيروت والعدالة للضحايا تتأمن بعيداً عن مسؤولية كبار المسؤولين؟
وبالتالي هل هناك من يظن أن اتجاه التحقيق مع الرائد عبدالله وداتا الاتصالات العائدة له، وما يمكن أن تكشفه من معطيات عن صلات أو جهات استشارها وتواصل معها وسخفت من خطر مادة “نيترات الأمنيوم”، هل تبعد المسؤولية عن رئيس الحكومة والآخرين من رئيس الجمهورية إلى وزراء المال والأشغال المتعاقبين!لا تراجع عن مطلب التحقيق الدولي في جريمة ارهابية بهذا الحجم فمن حق المواطن أن يعرف كل شيء: لماذا وكيف وصلت شحنة الموت إلى بيروت؟ ولماذا وكيف تم تفريغها وتخزينها كل هذه السنوات وعدم معرفة الجهة التي تمتلكها؟ وكما قام الجيش بالأمس في معالجة الحاويات التي كانت تضم 4 طن من “نيترات الأمونيوم” لماذا لم يعالج كل الكمية واكتفى باقتراح بيعها إلى أحد التجار؟ وصولاً بعد ذلك كله إلى ملابسات التفجير ووجود مواد “بيكريك أسيد ” ومواد أخرى متفجرة تستخدم في إنتاج وقود الصواريخ!3- لا مفاجأة في كل ما يدور بشأن عملية تشكيل الحكومة.
نبض التأليف تراجع بقوة تحت وطأة الشروط الرئاسية الداعية إلى حكومة موسعة والحفاظ على أحجام القوى السياسية، مقابل جنوح مصطفى أديب إلى محاولة تشكيل حكومة مصغرة بعيدة عن المحاصصة( كما يقول)..وقد “تفاجأ” أن قوى المنظومة السياسية ابتعدت عن سياق التعهدات التي قطعتها أمام الرئيس الفرنسي الذي قبلت رعايته، وعلى جاري العادة بعد آخر زيارة قام بها أديب إلى بعبدا استقبل “الخليلين” باسم الثنائي الشيعي. في بعبدا لمس فيتو رئاسي على أي إسم لا يوافق عليه، وفي لقاء “الخليلين” حديث عن حكاية التوقيع الثالث والتمثيل! طبعاً هناك تنسيق فرنسي – أميركي واضحاً ومعلناً، لكن ممثلي واشنطن يقولون التنسيق لا يعني الموافقة(..)، والخلاف لا يقتصر على الموقف من حزب الله، بل مع منظومة الحكم التي تعتبرها جهات أميركية متواطئة في الفساد مع حزب الله، وجميعهم يتحمل مسؤولية تفجير المرفأ.. ويبدو أن أن الفرصة غير مفتوحة أمام المبادرة الفرنسية التي قد تضيعها مناورات المحاصصة في حين تتسارع إمكانية فرض “محاسبة أميركية” من خلال “قانون ماغيتنسكي” في وقت لم يعد بعيداً، ولنتذكر أن أميركا وصفت هذا القانون بأنه يتيح معاقبة المسؤولين الحكوميين الفاسدين والمتورطين في انتهاك حقوق الانسان في أي مكان في العالم !4- وسط هذه الظروف سقط سد بسري المشروع التدميري الذي يحمل مخاطر متنوعة، وتزامن سقوطه مع الورقة الفرنسية للاصلاحات التي شطبت معمل سلعاتا، ما يعني مالياً تلافي اتساع المديونية. بقي المرج وطار السد وهذا إنجاز يسجل للبنانيين وخصوصاً اللجنة الوطنية لمرج بسري وكل الذين انتفضوا يفضحون مخاطر المشروع، والمواجهة كانت مع منظومة الفساد بكل قواها الرئيسية.
لم تقتصر المواجهة على التيار الباسيلي والقصر، بل إن الثنائي الشيعي هو من تصدر حملة الدفاع عن المشروع ولا سيما حزب الله الذي مارس تهديد وترهيب الرافضين الذين فضحوا الأبعاد الخطيرة للمشروع وأولها أنه يعد الناس في بيروت ومدن الساحل بمياه مسرطنة من القرعون، ومعروف أن الحريري عاد وأعلن تأيده للمشروع الخطير بذريعة أن حكومته أقرته وواقعيا كان الموقف مد يد للثنائي لأكثر من سبب !سقوط السد يجب أن يفتح معركة قضائية بوجه الفريق الباسيلي الذي فرض السدود أولوية حكومية، وعنوانها هدر أموال المكلف اللبناني على إقامة سدود لم تحفظ الماء بل دمرت البيئة، وتسببت بارتفاع كبير في المديونية، وفي اتساع شبكة الفساد التي ارتبطت بهذه المشاريع التي لم تقابل في أي وقت بالرضى الشعبي! والأمثلة لا تحصى من سد بريصا إلى المسيلحة وبلعة والقيسماني وغيرها.إن الفساد الذي جرى تشريعه بقوانين غب الطلب، يتطلب وقفة من القضاء ومحاسبة، وهذه المهمة لن تتقدم ما لم تُحتضن بقوة من جانب الجهات الشعبية المعنية بوقف المنهبة، وكسر منظومة الفساد ولو بالنقاط، في مواجهات متتالية وصولاً إلى بلورة ظروف إنجاز ميزان القوى الشعبي لفرض التغيير السياسي.وكلن يعني كلن وما تستثني حدن منن.