حنا صالح – يطوي لبنان اليوم مئويته الأولى ويدخل المئوية الثانية، في نهائية المئوية الأولى قتلوا الدولة وسرقوا الفرح وسلبوا الابتسامة، ويريدون دخول المئوية الثانية وكأن شيئاً لم يحصل ولم يرتكبوا الكبائر بحق اللبنانيين ويجددون تحالف الشر للانتقام ممن تجرأ ورفض انتهاك الكرامة والسطو على الحقوق! ورغم المآسي الناجمة عن الانهيار واتساع المجاعة والجائحة، وأشلاء المرفأ الماثلة أمام الأعين وبقية أشلاء الضحايا، وكل الخراب الذي ضرب وسط العاصمة، وجريمة الابادة التي ارتكبت بحق اللبنانيين، هناك جديد عصي على الكسر هو توق حملته ثورة تشرين، يتسع كل يوم ويترسخ في الوعي أكثر فأكثر، ويلتقي على هدف آيل لأن يصبح المحور في اهتمام الأغلبية، هو الوصول بلبنان إلى مرحلة قيام الدولة المدنية العلمانية، دولة الحقوق والعدالة والمواطنة.
إنه المنحى الانقاذي الذي يصطدم بعصابة – مافيا استولت على السلطة بعد الطائف كتابعة للخارج وأمعنت في تعميق انقسامات الحرب الأهلية لتحويل الناس – الضحايا وقوداً في خدمة تسلطها. هذه المافيا التي لا تستطيع البقاء إلاّ في مستنقع طائفي آسن، يحمي ديمومة تسلطها، ما زالت قادرة على تحريك الأتباع الرعاع المضللين، لفرملة الهواء النظيف الذي حملته ثورة تشرين! الأمر الذي يحدد أمر اليوم أمام كل التشرينيين، أمر لا تعلو عليه أولوية وهو التكاتف والذهاب إلى الكتل البشرية المتضررة ككل الناس والاستماع إليها ومعها بناء القوة التي تجرد هذه المافيا من أحد أهم عناصر قوتها الكامنة في تحويل بعض الشعب اللبناني إلى دروعٍ بشرية، لحماية تحالف الشر الذي جمع أمراء الحرب متزعمي ميليشيات الطوائف والمال، الذي يستند إلى الخارج من خلال تغول الدويلة على الدولة! اليوم، مرة جديدة، نجحت منظومة الفساد في تجديد تسوية العام 2016 المدمرة ولو بتلاوين جديدة، وقام نادي رؤساء الحكومات في تسمية مصطفى أديب لرئاسة الحكومة صاحب أعلى راتب في الدولة اللبنانية مع 33 ألف دولار(…)،
وهو الاختيار الأول للثنائي أمل وحزب الله، كما هو الشخصية المجهولة الذي ليس في تاريخ عمله العام إلاّ أنه كان مستشاراً للرئيس ميقاتي، ولا يُعرف شيء عن نوعية الاستشارات التي كان يقدمها، وقد استفاد من نظام المحاصصة الطائفي بالفوز، وهو من خارج الملاك، بمنصب سفير لبنان في ألمانيا، فجرى تقديم التسمية إلى الطاقم الحاكم أي ثنائي اتفاق مارمخايل ما وفر تغطية جديدة للحالة –النموذج عن الاستبداد بالبلاد والعباد، ويتذرعون في نادي رؤساء الحكومات بأن الخارج الفرنسي شجع هذا المنحى وهم انصاعوا له! والحقيقة أن التخريجة الركيكة ما كان بدها كل الاتصالات الهاتفية التي أجراها ماكرون، ولندع جانباً خبرية الفيغارو عن التهديد بعقوبات على بري والحريري وباسيل وبنات الرئيس وأن هذا الأمر عجل تسهيل المحظور! دعونا نتأمل في بعض ما يروج، الحديث الخبيث عن اتفاق دولي فرنسي – أميركي وإقليمي يجب أن نستسلم له، لا مؤشرات عليه بل الاختلاف قائم ولو كان لن نقبل به كقدر. الرئاسة الفرنسية التي أشعرت اللبنانيين أنهم غير متروكين بعدما تركتهم سلطات بلادهم المتجبرة، لا تفعل إلاّ ما يخدم المصالح الفرنسية، والمصالح المباشرة للرئيس الفرنسي الذي لا يمكن أن يقدم مجاناً. كان هناك مصلحة فرنسية قادت إلى الفصل بين المطالب، فتم حصر الأمور بالإصلاح وهو مهم جداً وضروري ولا بديل عنه، والشكوك كبيرة من أن تسهل منظومة الفساد هذا المنحى، وأغفلت باريس التسلط الخارجي والتغول على الدولة الذي بدون مواجهته يستحيل الاصلاح والسير بالبلد على طريق التعافي! لقد أنقذ ماكرون الطغمة الحاكمة وما يجري يعيد
تدويرها من خلال حكومة سيتحكمون بقرارها وبعيداً عن الأسماء والترشيحات سيطغى عليها نفايت الفاسدين أمراء الطوائف والمال! ولأن هذه المسألة واضحة كعين الشمس، رفع شابات الثورة وشبابها اليافطات المنددة بهذه التسوية بوجه الرئيس الفرنسي الذي استهل زيارته من منزل فيروز، الذي تحاور مع المعترضين، وهم الذين طردوا أديب من الجميزة لأنه مرشح الطغمة والخارج، فقال ماكرون أنه سيكون حريصاً على أن تأخذ الالتزامات التي ستنفذ متطلبات الشعب اللبناني بعين الاعتبار..لكن ما يتم التغافل عنه هو أن القوة المهيمنة، حزب الله ومن خلفها إيران، التي أدت هذه التطورات إلى فك الحصار عنها، إن بعد جريمة الحرب المرتكبة بحق اللبنانيين وعاصمتهم وحيث الأدلة تركز على مسؤولية هذا الفريق، أو بعد حكم المحكمة الدولية في جريمة قتل رئيس وزراء لبنان .. كي يتم تمرير الوقت مدة شهرين إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، وبضوئها لكل حادث حديث، ومعروف رهان طهران على فوز بايدن والديموقراطيين لتغيير مسار الأحداث(..)، فيبقى لبنان رهينة وناسه رهائن في خدمة الخارج، وهذا “الانجاز” ما كان ليتم لولا الدور المهين الذي لعبه نادي رؤساء الحكومات، الذين لن يفلتوا من غضب الناس وبالأخص الضحايا الأحياء المشردين! ويبقى ما يشاع عن منحى “تطوير النظام” الذي تلقفه الثنائي عون ونصرالله وكلاهما رفضا الطائف ومارسا التغول على الدستور، فربما يظنون أن الظرف مؤاتٍ أمام مؤتمر تأسيسي يطرح المثالثة بديلاً عن المناصفة ويعمق المنحى الطائفي ويشطب منحى الدولة المدنية التي يدعو إليها الدستور.. فجاء الرد الأول من البطريرك الراعي الذي قال: سأستوضح ماكرون عن “العقد الجديد” الذي يجري الحديث عنه، ويعملون له تحت الطاولة، فإن كان المثالثة فسنرفضها فوق الطاولة وسنواجهها لأن فيها موت للبنان! في بداية المئوية الثانية، ما يحتاجه لبنان هو استعادة الدولة المخطوفة بالفساد والسلاح، والسير في مسار تشرين لأنه وحده مسار تجديد فرح الولادة، الذي لن يكون لا عبر الابتزاز بالسلاح والاستقواء بالخارج، ولا عبر التهديد بقوانين انتخابية معلبة على القياس!