حنا صالح – إستقالة وزير الخارجية ناصيف حتي التي ستقدم اليوم في السراي بعدما فشلت محاولات ثنيه عنها، كما محاولات تحميله أكثر ما يتحمل المسؤولية عن جوانب من النهج الفاشل، هي الحدث-الصفعة لحكومة الدمى التي جيءَ بالبروفيسور دياب لرئاستها على أن تبقى كل القرارات بيد رعاتها ووفق أولوياتهم.. ولأن القرار نهائي برز توجه بتكليف دميانوس قطار الوزارة بالوكالة، بانتظار تعيين السفير شربل وهبي مستشار القصر وزيراً للخارجية تداركا لأي تصدعات أخرى!إنها الصفعة لأن الوزير المستقيل يكاد يكون التكنوقراطي – السياسي الوحيد “المستقل” الذي راهنوا على علاقاته الواسعة وصلاتها الجيدة لتغطية بعض قباحة الممارسة التي عزلت البلد فجاء قرار الاستقالة ليفضح زيف إنجازات يتغنى بها أهل السراي والقصر ولا يُلمس لها أي أثر..
وجاء القرار ليحفظ للمستقيل بعض ماء وجهه لأن المفارقة كانت لماذا قبل التوزير والمكتوب كان معروفاً من البداية!المهم أن القرار بالاستقالة صفعة تضع حكومة الفشل في عين العاصفة وتؤكد أن رحيلها لم يعد بعيداً رغم المكابرة. صفعة لأنها تضع اللبنانيين والخارج أمام الحقيقة، وهي أنه مع هيمنة منظومة الفساد التي ركبت هذه الحكومة الواجهة، هناك استحالة في إجراء أي تغيير ما دامت اليد الغليظة لمشغلي الحكومة ممسكة بمفاصل القرار.أسر الوزير حتي إلى مقربين منه أنه ارتضى التوزير “إيماناً أن النجاح ممكن وينبغي أن ينعكس في إنجازات ملموسة”، لكن بعد كل هذه الأشهر “البلد ينهار أمام أعيننا والحكومة لا تفعل اي شيء”..لا بل كان استبق إعلان قراره المتخذ منذ فترة، عندما قال في حديث متلفز الخميس الماضي:”نتحول من دولة في طريقها إلى الفشل إلى دولة فاشلة، نحن في أزمة وجودية والمطلوب في الحد الأدنى توفير الحماية”.
والحماية المطلوبة هي في السياسة وقد حظي بها لبنان تاريخياً من أشقائه وأصدقائه في العالم. غير أن الممسكين بالقرار في البلد حولوا لبنان إلى رأس جسرٍ ضد الأشقاء العرب، ويستخفون بدعم الأصدقاء في العالم الذين صارحوا الجهات اللبنانية أن المماطلة في تطبيق الاصلاحات الملحة والنأي عن حرائق المنطقة هما السبيل الوحيد لبدء مرحلة الانقاذ! وقرار “المازح” ضد السفيرة الأميركية والإعلام ما زال في الأذهان، وما دار في اللقاء بين البروفيسور دياب والوزير جان إيف لودوريان وما أطلقه رئيس الحكومة لاحقاً ثم محاولته الترقيع معروفة دلالات ونتائج ويتوج قرار الاستقالة استحكام حالة التشرذم والضياع الطاغية على الأداء وآخرها تناتش الصلاحيات بين وزيري الصحة والداخلية، كما محاولات تقزيم دور وزارة الخارجية والمداخلات المتكررة من باسيل في شؤونها وسعيه المعلن إلى فرض إملاآته على الحكومة بدءاً من رئيسها.
كما يصدم قرار الاستقالة نهج الانكار وخصوصاً سلوك واداء حسان دياب حيال المجتمع الدولي، فجاءت بمثابة قفزة من مركبٍ حكومي متصدع، قد يعقبها قفزات مماثلة للتنصل من وصمة الفشل الذريع في الاستجابة إلى الحد الأدنى من احتياجات الناس، والأخطر التبرؤ من حكومة كُلفت باتخاذ أخطر القرارات في محاصصة التعيينات التي تستبيح مؤسسات الدولة!2-ومع سلطة متجبرة مكابرة لا يستوقفها انهيار سعر صرف الليرة، والأسعار تأكل المتبقي من المداخيل، وسياسة الدعم لا اثر لها إلاّ في جيوب مقربين محسوبين. سلطة لا يرف لها جفن والبطالة تكاد تصل إلى مليون مواطن والتداعيات أكثر من أن تُعد. سلطة أظهرت ما هو أبعد من العجز الكامل أمام الجائحة بل هي متهمة بالتفريط بحياة المواطنين: أ-هذه السلطة وهي عصارة صافية لمنظومة الفساد، ترى أن من أولوياتها المضي في المشروع المدمر سد بسري، مزيد من الاستدانة لمزيد من النهب، ولا تتوقف أمام “نجاحات” سياسة إنشاء السدود التي بددت الأموال ولا توفر قطرة ماء..
الأمر الذي يستوجب إعادة وضع الحقائق أمام الناس وبينها تقرير المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، حيث سيتم تزويد سد بسري من مياه بحيرة القرعون، فيقول التقرير:إن الفحوصات الفيزيوكيميائية والجرثومية أثبتت أن مياه البحيرة غير صالحة للري ولا للسباحة وتؤدي إلى أمراض جلدية وتسمم البشر كما تؤدي إلى موت الأسماك. إن الملوثات مسببة لسرطان الكبد وأمرضٍ أخرى معدية. ويضيف التقرير أن الفحوصات أثبتت أن المواد الجرثومية في البحيرة هي الآن أكثر من 200 ضعف الحد المسموح به بسبب الصرف الصحي والرواسب والملوثات المختلفة التي تصب في البحيرة!نعم هذا هو الماء الزلال الذي يعدون به أهل بيروت والضاحية الجنوبية ومدن وقرى منطقة الساحل الجنوبي لبيروت!ب-كل الآبار التي حفرت في بسري قرب الموقع المحدد كجدار للسد أكدت أن المياه أندفعت من عمق 120 إلى 150 متراً. وتقول الدراسات العلمية الجدية أن الصخر الجوراسكي المتشقق المشبع بالمياه لن يتحمل ملايين الأطنان من وزن السد الذي سيصل طوله إلى 750 متراً، ولأن الدراسات العلمية تؤكد أن السهل نتج عن انهدام والأرض تنخسف سنوياً بنحو 16 سنتم ومليئة بالفراغات والمغاور والكسور فالنتيجة ستنخسف الأرض وتبتلع الجادر ومعه مئات ملايين الدولارات ولن تترك إلاّ الخراب!
3-وبعد، نعود إلى ليلة الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش وما رافقها والتذاكي والتبرير الفاشل الفاقع، لنؤكد مع الفنان غسان صليبا أنه “لا يوافق على تغيير كلمات أغنية، فالأغنية عليها أن تقدم كما هي أو لا تقدم”. يضيف انه لم يتابع الأخذ والرد، وعن حقيقة حذف أغنية له في احتفال “كرمالك يا وطن” قال أنه كانت هناك “بعض الضوابط من قبل لجنة المهرجان وبعض التمنيات من الجيش”، ويضيف أن أغنياته تضمنت كلاماً قويا في حق الحكام وهذا هو الأهم !
وبعد ينبغي التشديد أن المواطن بعد حين لن يتذكر إلاّ الحقيقة. والحقيقة أن منظومة الحكم مسكونة بشبح ثورة 17 تشرين، وأن الثورة الآتية ستولد من رحم الأحزان كما من وجع الطيبين المتمسكين بالبلد. بذلك يمكن القول أن الأول من آب 2020 تحول شاؤوا أم أبوا إلى مناسبة احتفاء بثورة تشرين المقيمة في الوجدان والعائدة إلى الساحات ولو بعد حين!