حنا صالح – اليس لافتاً أنه عشية موعد وضع قانون “قيصر”، العقوبات الأميركية الجديد على النظام السوري وداعميه في التطبيق،(الموعد 17 حزيرن)، تتالت الوصفات الاقتصادية، من نوع “السوق المشرقية” إلى تصدير البطاطا عبر معبر البوكمال(..) وأُدرجت هذه الوصفات تحت خانة السعي لانقاذ البلد من الانهيار الذي بلغه! يعني من طروحات حزب الله إلى جبران باسيل، يظهر أن الجماعة متيقظين، لا ينامون الليل لأن هناك كثر من بيننا ينامون على الطوى(..)
وفي سياق هذا “الاهتمام” لصرف الأنظار، بعيداً عن القضايا المحورية التي تهم كل اللبنانيين مثل مكافحة الفساد والفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة ووقف التهريب الذي يستنزف الخزينة إلخ .. انطلقت النصائح من نوع أن هناك إمكانية تحقيق “إكتفاء ذاتي” من الزراعة على السطوح وفي حدائق المنازل، يعني كم ضمة بقدونس ونعنع أو تلم بصل أو حاكورة بندورة ولوبياء إلخ.. هذه أمور ليست جديدة في البلد، بل هي من عادات أبناء الريف منذ ما قبل انفجار الأزمة وكل هذا الانهيار، ويعرف الجميع أنها ليست العلاج ولا تؤمن مسار الانقاذ، وبأي حال دعاة النصح والارشاد تناسوا كساد مواسم الفاكهة من التفاح إلى الحمضيات وسواها وكيف تخاذلت الحكومات المتعاقبة عن إيلاء هذا القطاع الحد الأدنى من الاهتمام، ولماذا لم تصدر هذه المنتجات إلى “السوق المشرقية! ليتبين أن أولوية الأهداف تكريس الانتقال السياسي للبلد واستتباعه فيبقى التهريب على غاربه دون حسيب أورقيب، وتتكشف حقيقة خطيرة متمثلة بعدم إدراك رسمي لعمق الانهيار الذي لو توفرت سلطة رؤيوية لتطلب الخروج من الأزمة الخانقة بين 5 و10 سنوات!
وضع قانون “قيصر” في التطبيق سيرسم جانباً من مسار الوضع اللبناني. يتضمن منحى مخيف من العقوبات ستشمل في مرحلتها الأولى ما يزيد عن 700 مؤسسة وإسم بحيث تضع ضغوطاً قاسية على النظام السوري لإرغامه على تقديم تنازلات، وتعزل الضغوط داعمي النظام عندما ستشمل كل المتعاونين معه.. ما سيفاقم الانهيار المالي والتردي الاقتصادي الاجتماعي. هنا نفتح مزدوجين كي نشير إلى أن العقوبات تشمل كل ما هو عسكري من معدات وأسلحة وقطع الغيار حتى للطيران المدني، وتمنع الاستيراد والتصدير وبينها النفط ومشتقاته ( كيف سنصدر البطاطا عبر البوكمال) وتمنع إدخال كل المواد الأساسية التي تدخل في الصناعة حتى الغذائية منها، إلى العقوبات التي ستكرسح البنك المركزي السوري!
المرحلة الثانية بدءاً من منتصف تموز القادم ستطال كل البلدان وكل الشركات والمؤسسات التي توفر الدعم للنظام السوري. ستشمل الجهات التي تستثمر في بعض القطاعات، وستفرمل كل الأطراف التي تخطط لدور في إعادة الأعمار، وسيطال الكثير من الجهات اللبنانية التي برمجت نشاطها الاقتصادي بما يخدم مثل هذه التطلعات. وعملياً ستقول أميركا من خلال هذا القانون الذي يستثني مناطق شرق الفرات، أن المطلوب الذهاب إلى حلٍ سياسي للأزمة السورية، وهذا الحل مرهون بالتوافق عليه مع واشنطن التي سيكون لها الكلمة الكبيرة في الاتفاق على المرحلة السياسية.
هنا، وأمام أعين المواطنين المثال الايراني واضطرار طهران استجداء الاستدانة من صندوق النقد الدولي، ليكف الكلام المعسول عن انتصار محور المقاومة والممانعة، ومقولة من يفوز في الاقليم يفوز في الداخل اللبناني، وأيضاً القوة الضاربة التي يمثلها فيلق القدس، والمعادلات الجديدة في المنطقة، لأنه مع الوضع الجديد ستتحول الأسلحة أيا كانت إلى خردة، وهي التي لم تستخدم إلا بوجه الفقراء والأبرياء ولحماية الفساد! فلنتحسب لكل خطوة، وبلا هذه التسلية بالدعوة إلى “السوق المشرقية” فأساساً لبنان بلد مشرقي، وهؤلاء الدعاة المستجدين لا يعرفون عمق هذه المسألة بل هاجسهم هو الاستتباع السياسي ليس إلاّ!
هذه الطروحات تكشف أن بعض أصحابها ربما ليسوا على دراية بما يدور في المنطقة وحولها، والبعض الآخر يتعامى لأنه مكلف بتنفيذ أجندة خارجية، وفي الحالتين هناك شيء من قلة الدراية بحجم الانهيار الذي دفع إليه البلد!
نعود إلى ثورة تشرين وما حملته من آمال حقيقية يتمسك بها المواطن، وهي أن هذه الألاعيب الإجرامية لن تشطب حقيقة ولوج البلد مرحلة تأسيسية لن توفر المهرب لأي جهة من الحساب: الحساب عن الانهيار وعن الفساد وعن النهب وعن تدفيع منظومة الفساد المافيوي ثمن إجرامها مهما طال الزمن. نعم سيدفع الثمن كل من خطط وسهل وشارك واستغل الموقع واستفاد من المنهبة والاثراء غير المشروع. في الستينات أظهرت دراسات بعثة “إيرفد” أن 4 % من اللبنانين تتجمع بين أيديهم نحو ثلث مقدرات البلد، وأن هذا الأمر أفرز اختلالاً خطيراً يتطلب المعالجة. فيما الأرقام اليوم تؤكد أن 1% فقط من اللبنانيين يستأثرون بأكثر من 40% من الثروة، وكل ذلك بفضل نظام المحاصصة الطائفي، الذي وحّد المرتكبين الفاسدين، والذي يُعاد الآن تلميعه مع حكومة الأقنعة وأدائها الهزلي- الموجع لمصالح الناس وحقوقها!
لنعد إلى البديهيات التي رسمتها ثورة تشرين، التي تقوم على إنجاز هدف إعادة تكوين السلطة، والطريق إليه فرض حكومة مستقلة تقود الفترة الانتقالية الضرورية لبدء وضع لبنان هلى سكة التعافي. هذا الطريق يصنعه التكاتف والوحدة وتقديم المشتركات الكثيرة، والبداية بناء وضع تنظيمي يمنح المواطنين الأدوات للدفاع بوجه طبقة فاسدة شرسة، تملك أدوات القوة وقضاء مطواع وإعلام ملتحق والمال، وهي بالتالي لن تتنازل عن مكاسبها ونهبها، وأمام الموطن المستجد كفضيحة سلعاتا بعد السدود إلى مشاريع التعيينات المدمرة للادارة إلى القوانين التي يتوالى إصدارها لفرض المزيد من القيود على البلد!
وكلن يعني كلن