1. Home
  2. ولكن
  3. شيعة لبنان: عندما تحترق سرديات الوهم!
شيعة لبنان: عندما تحترق سرديات الوهم!

شيعة لبنان: عندما تحترق سرديات الوهم!

0
0

د. عمر الفاروق النخال | لا يبدو المشهد الشيعي في لبنان اليوم كما تحبّ ماكينة الخطاب الحزبي أن تصوّره على هيئة كتلة صلبة متراصة خلف “خيار المقاومة”، متماهية بالكامل مع قرارات قيادتها، ومستعدة دائماً لدفع الكلفة مهما ارتفعت. فخلف هذه الصورة المُعلّبة، ثمة واقع آخر يتشكّل بصمت، واقع أكثر هشاشة، وأكثر تعقيداً، وربما أكثر صدقاً. واقع يقول إن التعب تراكم، وإن الأسئلة التي كانت تُؤجَّل أو تُخنق، بدأت تجد طريقها إلى العلن، ولو همساً.

في هذا السياق تحديداً، يأتي قرار إطلاق رشقة صاروخية باتجاه حيفا، لا كفعل عسكري معزول، بل كاختبار سياسي داخلي بامتياز لمدى استعداد البيئة الشيعية لتحمّل جولة جديدة من التصعيد، في لحظة هي أصلاً مثقلة بانهيار اقتصادي، وتفكك اجتماعي، وانعدام أفق. وما لا يُقال علناً، يُقرأ بوضوح في تفاصيل صغيرة .. في تعليقات جانبية مثلا، في امتعاض مكبوت، في خوف لا يختفي من أن تكون هذه الجولة مجرد بداية لمسار مفتوح لا يملك أحد القدرة على ضبطه.

المفارقة التي يصعب تجاهلها هنا، أن الحزب الذي بنى شرعيته على فكرة حماية هذه البيئة، يبدو اليوم الأكثر اندفاعاً نحو وضعها في قلب الخطر ليس لأن العداء الخارجي غير موجود، بل لأن إدارة هذا العداء لم تعد مرتبطة بحسابات داخلية لبنانية بقدر ما باتت جزءاً من إيقاع إقليمي أوسع، لا مكان فيه لخصوصية المجتمع المحلي أو قدرته على الاحتمال وهنا تحديداً، تبدأ المسافة بين “التمثيل” و”الوصاية” بالاتساع.
حزب الله، في قرارة نفسه، يعرف ذلك ويدرك أن بيئته لم تعد تلك التي كانت تُسلّم له قرارها دون نقاش. يعرف الحزب جيدا أن الناس الذين خسروا أعمالهم، أو منازلهم، أو ما تبقى من استقرارهم، لم يعودوا يرون في كل تصعيد عنواناً للكرامة، بل احتمالاً إضافياً للخسارة. هذا الإدراك لا يُترجم مراجعة، بل يُقابل بتشدد أكبر، وكأن الحزب يحاول أن يسبق
الانفجار بضبطه، لا بمعالجة أسبابه.

من هنا، يمكن فهم تصاعد ما يمكن تسميته بوضوح “الإرهاب الفكري”، ليس بوصفه شعاراً، بل كأداة يومية لضبط المزاج العام. لم يعد الأمر مقتصراً على ضبط الإعلام أو الخطاب السياسي، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى لدى النازحين أنفسهم، أولئك الذين دفعوا الثمن المباشر للتصعيد. هؤلاء، حين يفكرون في الكلام، يُذكَّرون سريعاً بالخطوط الحمراء، وكأن الألم يجب أن يُعاش بصمت، لا أن يُروى.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذا الصمت لم يعد كاملاً. هناك تسرّب واضح، ولو محدود، لأصوات تقول إن “الكيل قد طفح”. هذه العبارة، ببساطتها، تختصر تحوّلاً عميقاً: من حالة التماهي الكامل مع الحزب، إلى حالة تمييز بين الذات وبين القرار. وهذا بحد ذاته تطور نوعي، لأن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي تنظيم عقائدي، ليس المعارضة المنظمة، بل الشك الفردي المتراكم.

في هذا المشهد، تبدو شخصية نعيم قاسم أكثر من مجرد قائد حزبي، بل كمرآة لمرحلة بأكملها. الرجل، في إطلالاته وخطابه، لا يقدّم إجابات بقدر ما يعيد إنتاج الأسئلة نفسها بصيغة قديمة. غياب الكاريزما هنا ليس مسألة شكلية، بل مؤشر على عجز أعمق: عجز عن ملامسة التحولات داخل البيئة، وعن إنتاج خطاب جديد يتعامل مع واقع مختلف جذرياً عمّا كان عليه الحال قبل عقد أو أكثر.
الأخطر أن هذا العجز يترافق مع انصياع شبه كامل لإيقاع طهران، وكأن الحزب فقد القدرة على إنتاج قراءة مستقلة لبيئته. حين يُطلب من مجتمع منهك أن يربط مصيره بمرشد إيراني جديد، لا يعرف عنه شيئاً، لم يسمع صوته، ولم يرَ صورته، فإن المسألة تتجاوز السياسة إلى نوع من الاغتراب القسري. اغتراب عن الذات، وعن الأولويات، وعن معنى الانتماء نفسه.

هذا الانصياع لم يعد يُقنع حتى من كانوا، حتى وقت قريب، من أشد المدافعين عنه. لأن المعادلة تغيّرت: لم تعد “المقاومة” فكرة مجردة يمكن الالتفاف حولها، بل أصبحت سلسلة من القرارات اليومية التي تمس حياة الناس مباشرة، من أمنهم إلى لقمة عيشهم. وعندما تتراكم هذه القرارات دون أن تُفضي إلى أفق واضح، يصبح من الطبيعي أن تبدأ القناعة بالتآكل.

ما يزيد من تعقيد المشهد، أن الحزب يبدو مدركاً لهذه التحولات، لكنه يختار التعامل معها كخطر يجب احتواؤه، لا كإشارة تستدعي المراجعة. وهذا ما يفسر القلق الواضح من أي صوت معترض، مهما كان محدوداً. فالمشكلة ليست في حجم هذا الصوت، بل في دلالته: أنه صادر من الداخل، لا من الخصوم التقليديين.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “انتفاضة شيعية” أقل ارتباطاً بالصورة الكلاسيكية للانتفاضات، وأكثر ارتباطاً بسلوك يومي تراكمي. انتفاضة لا تُعلن نفسها، بل تتشكل عبر رفض بسيط لكنه عميق: رفض الانصياع التلقائي، ورفض تبرير كل شيء، ورفض تحويل الحياة إلى وظيفة ملحقة بقرار عسكري أو إقليمي.

هذه الانتفاضة، إن صحّ التعبير، تبدأ من كسر الوهم. الوهم الذي بُني على فكرة أن المشروع الذي ينتمي إليه الحزب يمتلك دائماً زمام المبادرة، وأنه محصّن من الضربات، وأن كل خسارة هي جزء من نصر أكبر. لكن حين تتوالى الضربات، وحين تطال شخصيات وقيادات بارزة في إيران نفسها، من الحرس الثوري إلى الباسيج، فإن هذه الصورة تتصدع، ويصبح من الصعب إعادة تركيبها بالشعارات نفسها.

عند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل هناك اعتراض؟ بل يصبح: إلى أي حد يمكن لهذا الاعتراض أن يتوسع دون أن يُقمع؟ وهل يمتلك الحزب القدرة، أو الإرادة، لتحويل هذا الاعتراض إلى مادة مراجعة، بدل أن يبقى مادة اشتباه؟
ما يجري اليوم داخل البيئة الشيعية في لبنان، هو أقرب إلى صراع صامت بين واقعين: واقع يُفرض من فوق، مدفوعاً بحسابات إقليمية، وواقع يتشكل من تحت، مدفوعاً بحاجات يومية وضغوط معيشية لا يمكن تجاهلها. وبين هذين الواقعين، يقف الإنسان العادي، الذي لم يعد يملك رفاهية تبنّي خطاب لا ينعكس على حياته إلا مزيداً من القلق.

الخلاصة التي تتشكل بهدوء، لكنها بثبات، أن الخطر الأكبر لم يعد فقط في العداء الخارجي، بل في هذا التآكل الداخلي للعلاقة بين الحزب وبيئته. وعندما يصل الأمر إلى لحظة يشعر فيها جزء من هذه البيئة أن من يفترض أنه يحميها، هو نفسه من يضعها في دائرة الخطر، فإننا نكون أمام تحوّل نوعي، لا يمكن التقليل من شأنه.
قد لا يظهر هذا التحول في الشارع غداً، وقد لا يُترجم فوراً إلى مواقف سياسية واضحة، لكنه موجود، يتراكم، ويتعمق. ومع كل قرار لا يُفهم، وكل تصعيد لا يُبرر، وكل صوت يُقمع، يقترب هذا التحول خطوة إضافية من أن يصبح واقعاً لا يمكن احتواؤه بسهولة.

وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الحقيقي: هل يملك حزب الله القدرة على الاستماع قبل فوات الأوان، أم أنه سيكتشف متأخراً أن أكثر من أضرّ بالشيعة في لبنان، لم يكن خصومهم، بل الخيارات التي فُرضت عليهم باسمهم؟

الحزب قادر على التهرب من الإجابة .. لكن استمرار تراصف البيئة المكلومة والمنكوبة خلف سبب أوجاعها مستحيل أيضا !


tags: