1. Home
  2. لبنان
  3. “ميكانيزم” التقاط الأنفاس وتأجيل الضربة!
“ميكانيزم” التقاط الأنفاس وتأجيل الضربة!

“ميكانيزم” التقاط الأنفاس وتأجيل الضربة!

0
0

د. عمر الفاروق النخال | قد لا تكون خطوة رئيس الجمهورية جوزيف عون بتكليف السفير سيمون كرم المشاركة في اجتماعات لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل كشخصية مدنية مرتبطة برسالة قوية بعثها بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر إلى حزب الله قبل اختتام زيارته التاريخية إلى لبنان، إلا أنها لا تنفصل في الوقت نفسه عن التعطش اللبناني إلى الانتقالة الحاسمة من قعر الحروب والأزمات إلى وضوح السلام والاستقرار.

مجيء الخطوة بتوافق الرؤساء اللبنانيين الثلاثة يفرض موعدا فارقا يحمل في طياته أسئلة أكثر مما يحمل إجابات، وهذه الأسئلة تشكل نسخة طبق الأصل عن تلك التي يطرحها حزب الله في دوائرة الضيقة في لحظة اقتراب من حقيقة لا تحتمل أي مراوغة أو تلاعب، فلا لبنان يحتمل ولا بيئة الحزب الوفية لخيار التمسك بالسلاح تحتمل إطالة أمد التكاذب أكثر من ذلك.

لحظة الحقيقة تلك تقول للحزب إن مهمة مصارحة بيئته بقرب الانخراط في مظلة الدولة اللبنانية اصبحت أسهل من أي وقت مضى وذلك لعدم اختلاف خطوة الرئاسة اللبنانية بشيء عن أجواء ترسيم الحدود البحرية عام 2022 مع مفارقة لافتة تمثلت بتعميم الثنائي حالة من “صمت القبور” مما أتاح للاجتماع فرصة الانعقاد بعيدا عن ضجيج التجاذب والتصعيد الكلامي.

غير أن ما يثير المخاوف من تبدل ذلك المشهد الهادىء، هو سيل المواقف الإسرائيلية التي تعاملت مع الحدث بقدر كبير من الغطرسة على نحو بدت فيه تل أبيب وكأنها تستجدي خروج حزب الله عن طوره أكثر من بيئة حزب الله نفسها لا سيما في حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على “علاقات اقتصادية” مع لبنان وإشارة بيان لجنة “الميكانيزم” بأن الشخصية المدنية الإسرائيلية التي شاركت في اجتماع الناقورة هي المدير الأعلى للسياسة الخارجية في مجلس الامن القومي الاسرائيلي يوري رسنيك.

في الشكل انعقدت اللجنة بصيغتها الجديدة مما شكل موافقة ضمنية على إعطاء الدولة اللبنانية هامشاً أوسع في إدارة التهدئة وأعطى حزب الله مساحته لصياغة سردية مقنعة لجمهوره، تقول إن ما جرى ليس تنازلاً عن ثوابت المقاومة بل تفويضٌ للدولة بأن تتولّى الشق التقني -السياسي من الهدنة، فيما يبقى السلاح في موقع الردع إلى أن تتحقق الشروط الوطنية الكاملة، وأن كل ما يحصل يجري تحت سقف “حماية لبنان” لا تحت سقف مقايضته أو المساومة عليه!

في المقلب الآخر، يقرأ جزء من اللبنانيين هذه الخطوة كرسالة إلى تل أبيب أكثر مما هي رسالة من تل أبيب، مفادها أن بيروت تريد تأجيل الضربة الإسرائيلية المحتملة إلى ما بعد رأس السنة، مستفيدة من إطلاق مسارٍ تفاوضي تقني يمنح الجميع فسحة تنفّس.

فإسرائيل التي لم تتوقف عن خرق الأجواء وتهديد الحدود، تراقب بدقة مسار خطة الجيش اللبناني لحصر السلاح غير الشرعي في الجنوب وسائر المناطق، وهي خطة يُنتظر أن تتوَّج بتقرير مفصّل عن وضع السلاح خارج الشرعية مطلع عام 2026، بما في ذلك سلاح حزب الله وسواه من المجموعات المسلحةفي حين تحاول الدولة أن تقول للداخل والخارج معا إنها لا تترك هذا الملف معلّقا، بل تعمل على تنظيمه وتدويره نحو لحظةٍ يصبح فيها السلاح، كل السلاح، موضوعاً لقرارٍ وطني جامع لا لبازارٍ داخلي أو رسائل خارجية متبادلة.

مع ذلك يبقى نجاح هذه اللحظة أو سقوطها مرهونا بشجاعة الطرفين: شجاعة الدولة في أن تلتقط الفرصة التاريخية لفرض منطقها السيادي كاملاً، من خلال خطة جدية لاستعادة كل الأراضي المحتلة وتجفيف منابع أي سلاح خارج مؤسساتها، وشجاعة حزب الله في ألا يضيّع نتاج عقود من التضحيات عبر التشبّث الأعمى بسلاحٍ تحوّل في نظر العالم إلى معضلة داخلية بعد أن كان عنوانا للمقاومة.

اجتماع لجنة “الميكانيزم” الأخير ليس وصفة سحرية، لكنه مؤشّر واضح إلى أن الزمن يتغيّر، وأن لبنان يقترب من لحظة لا يعود فيها ممكناً تأجيل السؤال الكبير: هل نريد دولة واحدة بسلاحٍ واحد وقرار واحد، أم نواصل الدوران في حلقة الأمر الواقع حتى تفرض علينا الحروب شكل دولتنا المقبلة؟

الجواب لن يُكتب في محاضر الاجتماعات ولا في بيانات المزايدات، بل سيرسمه اللبنانيون بأفعالهم، إما في اتجاه قيام دولة حقيقية تمسك بقرار الحرب والسلم، أو في اتجاه خسارة ما تبقى من وطن تمزّقه الساحات المتقابلة وتحرق الإملاءات كل فرص قيامته!


tags: