د. عمر الفاروق النخال | مع اقتراب وصول البابا لاون الرابع عشر إلى بيروت، يعود اللبنانيون بذاكرتهم إلى محطّتين تاريخيّتين زارهما أسلافه: زيارة البابا يوحنا بولس الثاني في أيار 1997، وزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر عام 2012. ثلاث زيارات تفصل بينها عقودٌ وتحوّلات كبرى، لكن يجمعها خيط واحد هو التأكيد على معنى لبنان الفريد كأرض للسلام والتعايش. فكيف تبدو الصورة السياسية اليوم، وما الذي يأمله اللبنانيون مقارنة بالأمس؟
في ربيع 1997 كان لبنان يرزح تحت وطأة الوصاية السورية وهيمنتها الأمنية، فيما يحتل الجيش الإسرائيلي جزءاً من جنوبه. وسط هذا الواقع القاتم، حلّ يوحنا بولس الثاني ضيفاً على وطن الأرز في زيارة تاريخية حمل فيها إرشاده الرسولي «رجاء جديد من أجل لبنان». لم تكن تلك الزيارة حدثاً روحياً عابراً، بل محطة سياسية جريئة أعلن خلالها أن لبنان «أكثر من وطن… إنه رسالة». يومها، أعاد البابا للبنانيين بوصلة الاتجاه: دعا شبابهم إلى هدم جدران الخوف التي فرضها زمن الوصاية، وحثّهم على مصالحة وطنية تعيد لوطنهم سيادته وقراره الحرّ. تلك الزيارة أيقظت شيئاً عميقاً في وجدان الناس، إذ شكّلت الشرارة الأولى لوعي سيادي لبناني خرج إلى الضوء بعد سنوات، وفتح الطريق نحو انتفاضة الاستقلال عام 2005. كانت زيارة يوحنا بولس الثاني لحظة نادرة شعر فيها اللبنانيون بأن صوتهم المخنوق صار مسموعاً وأن إرادتهم في التحرّر اكتسبت غطاءً أخلاقياً عالمياً.
بعد خمسة عشر عاماً، بدا المشهد مختلفاً. ففي 2012 كان لبنان قد طوى صفحة الوصاية والاحتلال، لكنه وجد نفسه محاصراً باضطرابات المنطقة: حرب سوريا في الجوار، صعود التطرّف، واستقطابات محلية انعكست في توازنات دقيقة هزّتها رياح «الربيع العربي». في هذه المرحلة الدقيقة جاء البابا بنديكتوس السادس عشر إلى بيروت حاملاً إرشاداً رسولياً جديداً. ركّز البابا الألماني على ترسيخ «الشركة والشهادة» ودعم العيش الإسلامي – المسيحي كقيمة يجب الدفاع عنها، لكنه تجنّب الغوص في تعقيدات السياسة اللبنانية الداخلية، فبدت زيارته أكثر روحانيةً منها سياسية. وربما فرضت ظروف تلك المرحلة عليه أن يكتفي بدور الواعظ والمرشد بدل أن يكون حاملاً لرسالة سياسية مباشرة. كانت كلماته موجّهة لحماية الوجود المسيحي في الشرق وإعادة التأكيد على قيمة الحوار، لكنها لم تحدث أثراً سياسياً حاسماً كالذي شهدناه عام 1997.
اليوم، ومع استعداد لبنان لاستقبال البابا لاون الرابع عشر، تتداخل عناصر الماضي والحاضر في مشهد بالغ الحساسية. فالبلاد تعيش منذ سنوات انهياراً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق، ومؤسساتها الدستورية شبه مشلولة، فيما تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية على أراضيها بوتيرة مقلقة تزيد من هشاشة الوضع الداخلي. وعلى الرغم من هذه الظروف المضطربة، أصرّ البابا الجديد على المجيء إلى بيروت، وكأنه يصرّ على أن يكون لبنان أول عنوان خارجي لرسالته. هذا الإصرار وحده يحمل دلالة سياسية عميقة: الفاتيكان يريد أن يقول إن لبنان ما زال يستحق أن يكون مساحة للسلام، وأن العالم لم يتركه لمصيره.
يبدي اللبنانيون اليوم رغبة واضحة في أن لا تكون زيارة البابا لاون مجرد محطة رمزية أو رعوية، بل أن تحمل مضموناً سياسياً بقدر ما تسمح به دبلوماسية الفاتيكان الهادئة. يريدون رسالة تتجاوز الطابع الروحي البحت الذي طبع زيارة بنديكتوس، وتقترب أكثر من الروح السياسية الشجاعة لزيارة يوحنا بولس الثاني. يأملون أن يصدر عن البابا موقف واضح يندّد بالحرب وبالاستباحة المستمرة لأرضهم، وأن يوجّه نداءً دولياً لحماية لبنان من الانزلاق إلى صراع لا طاقة له عليه. كما ينتظرون رسالة داخلية تحثّ اللبنانيين على التمسّك بوحدتهم وتحييد وطنهم عن صراعات المحاور، وإعادة تثبيت صيغة العيش المشترك التي باتت تحتاج إلى من يذكّر بها ويعيد صوغها في وجدان الناس.
زيارة البابا لاون الرابع عشر تأتي في لحظة لبنانية مفصلية، بين حرب تتوسع وواقع داخلي يتصدّع، وبين مجتمع يبحث عن بارقة أمل تحول دون سقوطه الكامل. يريد اللبنانيون لزيارته أن تعيد إليهم شيئاً من وهج الزيارة التاريخية لعام 1997، يوم شعروا للمرة الأولى بأن لبنان قادر على استعادة قراره الحر. وإذا استطاع البابا لاون أن يجدّد تلك الروح، ولو جزئياً، فسيكون قد منح لبنان أكثر مما ينتظر: منصة جديدة للسلام، ونداءً أخلاقياً يعيد إليه صورته الأصلية كرسالة لا كأزمة، كوعد لا كأنقاض، وكوطن يستحق أن يُحمى لا أن يُترك.
لبنان يقف اليوم على حافة اختبار كبير، وزيارة البابا قد تمنحه فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة رسم الطريق. ويبقى السؤال: هل يحمل البابا الجديد شعلة السلام التي يحتاجها لبنان؟
اللبنانيون ينتظرون… وأملهم هذه المرة ليس سياسياً فحسب، بل وجودياً أيضاً.