1. Home
  2. بودكاست
  3. سردة… البودكاست الذي افتقدناه أكثر مما توقّعنا
سردة… البودكاست الذي افتقدناه أكثر مما توقّعنا

سردة… البودكاست الذي افتقدناه أكثر مما توقّعنا

0
0

ثمّة مساحات صوتية لا تُستبدل. وبرامج لا تُصنع مرتين، لأنها ببساطة ولدت من شغف، واشتغلت على التفاصيل، ولامست المستمع من دون محاولة إرضائه. ومن بين تلك التجارب القليلة التي صنعت فرقاً حقيقياً في لبنان والعالم العربي، يبرز بودكاست “سردة” مع ميديا عازوري ومعين جابر، تجربة كانت أشبه بمجلس حديث معاصر، يجمع الدفء والصدق والجرأة والرواية المنسوجة على مهل.

غياب “سردة” اليوم ليس مجرد توقف لبرنامج ناجح، بل هو فقدان لمساحة حرة كانت تلتقط هموم الناس، واهتمامات الشباب، وأسئلة المدن العربية في لحظات التحوّل الكبرى. كان البودكاست منصة استثنائية لأنه لم يبحث عن “الترند”، بل عن الإنسان. لم يلهث خلف الأرقام، بل وراء القصص التي تستحق أن تُروى. وفي كل حلقة، كان المستمع يشعر بأنه يجلس في غرفة صغيرة مع صديقين يعرفان تماماً كيف يصغيان، وكيف يسألان، وكيف يفتحان نافذة نحو فكرة أعمق.

ميديا عازوري بصوتها الهادئ وذكاء حضورها، كانت تمنح كل حكاية مساحة لتنضج. لم تكن مقدّمة بالمعنى التقليدي، بل كانت شريكة في السرد. تقف في المنتصف بين الضيف والمستمع، وتعرف كيف تجعل الحوار يتنفس، وكيف توازن بين الحميمي والمهني، بين الشخصي والعام. ومعين جابر، برؤيته الإنتاجية وبصمته التي لا تخطئ، كان واحداً من روّاد البودكاست في لبنان والمنطقة؛ بنى لغة صوتية جديدة، وأرسى قواعد لمنطق مختلف في صناعة الحلقات، حيث يُعامل المحتوى كفن، لا كمنتج عابر.

كان “سردة” انعكاساً لهذه الثنائية: احترافية من دون تكلّف، وواقعية من دون قسوة، وعمق من دون تعقيد. وحين غاب، شعر المستمع أن فراغاً ما تشكّل… ليس لأن الساحة تخلو من البدائل، بل لأن البدائل لا تشبهه. فالبودكاست يصنعه الناس الذين يقفون خلفه، ورحلة “سردة” كانت أشبه برحلة بحث عن معنى في منطقة مضطربة، وعن صوت صادق في عالم مكتظّ بالضجيج.

في لحظة عربية يعيش فيها الشباب انفصالاً عن المشهد الإعلامي التقليدي، كان “سردة” المكان الذي يعود إليه كثيرون ليجدوا لغة تشبههم. لغة حديثة، شفافة، تبتعد عن الشعبوية وتقترب من الفكرة، وتجعل المستمع شريكاً لا متلقياً. لذلك افتقدناه: لأنه لم يكن مجرد برنامج، بل تجربة تشبه جلسة مطوّلة مع الذات.

غياب “سردة” يذكّرنا كم نحن بحاجة إلى منصات حقيقية، منصات تفكّر بصوت مرتّب، وتقدّم الحوار كمساحة للنقاش لا كساحة للصراخ. بحاجة إلى إعلام يثق بالناس، ويمنحهم محتوى يرتقي بهم. وتجربة ميديا عازوري ومعين جابر كانت واحدة من تلك المحطات التي تبرهن أن البساطة حين تُدار بذكاء تصبح قيمة، وأن الصدق حين يُصاغ بحب يصبح أثراً.

ربما يعود “سردة” يوماً، وربما يولد مشروع آخر يحمل الروح نفسها. لكن المؤكد أن غيابه ترك فجوة، وأن البرنامج أصبح جزءاً من ذاكرة صوتية حديثة، ستبقى علامة على مرحلة كان فيها الأمل لا يزال ممكناً، والكلمة لا تزال قادرة على أن تبني مجتمعاً صغيراً من المستمعين الذين يبحثون عمّا هو أعمق من الترفيه… يبحثون عن “سردة”، بالمفهوم الحقيقي للسرد.