1. Home
  2. بودكاست
  3. ديديه فرح… صوت الطفولة الذي لا يشيخ
ديديه فرح… صوت الطفولة الذي لا يشيخ

ديديه فرح… صوت الطفولة الذي لا يشيخ

0
0

ليست كل الذكريات تُكتَب بالحبر. بعضها يُحفر في الذاكرة الجماعية، في تفاصيل الطفولة التي نعود إليها كلما ضاقت الحياة أو ابتعدنا كثيراً عن بساطتها. من بين تلك الوجوه التي شكّلت وجدان جيل كامل، يبرز اسم المذيعة اللبنانية ديديه فرح، التي لم تكن مجرّد مقدّمة برامج أطفال، بل نافذة صغيرة تطلّ منها البراءة على شاشاتنا، وتترك أثراً لا يمحى في روح كل طفل جلس أمام التلفاز ينتظر ابتسامتها ودفء حضورها.

ظهورها الأخير مع الإعلامي فراس حاطوم على منصة تفاصيل أعاد إلى الواجهة تلك المسيرة التي ظلت ثابتة في الذاكرة رغم الضجيج وتبدّل الأزمنة. كان ظهوراً صادقاً يشبهها، بعيداً عن الاستعراض، يقدّم صورتها كما هي: امرأة حملت رسالة تربوية وإنسانية قبل أي شيء آخر، وبذلت جهداً في صياغة محتوى نقيّ في زمن لم تكن فيه الخيارات كثيرة ولا سهولة الإنتاج متاحة كما اليوم.

ديديه فرح لم تكن مجرّد وجه تلفزيوني، بل كانت لغة طفولية شاملة؛ لغة تعلّم، وتحتضن، وتمنح الأطفال شعور الأمان. كانت تعرف أن الكلمة التي تُقال لطفل قد تصنع معنًى لسنوات طويلة، وأن البرنامج قد يتحوّل مع الوقت إلى رفيق يومي. لذلك حافظت على مهنية عالية، وعلى خطاب يحترم عقول الصغار دون أن يغرق في الوعظ أو التلقين. هذه المعادلة وحدها كانت كافية لتجعل منها جزءاً من الذاكرة الجميلة لجيل التسعينيات وبداية الألفية.

اللافت في مسيرتها أنها بقيت وفيّة لصورتها مهما تغيّرت البيئة الإعلامية. لم تنجرّ وراء الإثارة، ولم تتعامل مع برامج الأطفال كمجرّد مساحة تجارية أو ترفيهية؛ كانت ترى الأطفال جمهوراً أصيلاً يستحق أن يُخاطَب بحبّ ومسؤولية. وهذا ما جعل عودتها في المقابلة الأخيرة لحظة عاطفية لجيل بأكمله، استعاد معها الزمن الجميل كما لو أنه كان ينتظر فرصة ليقول لها: “شكراً لأنك كنتِ جزءاً من طفولتنا”.

تكريم ديديه فرح اليوم ليس فقط احتفاءً بماضٍ جميل، بل اعترافٌ بقيمة إعلامية تحتاجها الأجيال الجديدة؛ قيمة تقوم على الصدق، وعلى احترام المتلقّي، وعلى الوعي بأن الإعلام الموجّه للأطفال ليس ترفاً، بل مؤسسة تربوية موازية. وما قدّمته ديديه على مدى سنوات يؤكد أن الإعلام الجيد لا يشيخ، بل يعود كلما احتاجته الذاكرة أو اشتاق له الزمن.

في زمن كثرت فيه المنصّات وقلّت فيه النبرة الصافية، يبقى أمثال ديديه فرح نماذج تستحق أن تُكرَّم، لا من باب النوستالجيا فحسب، بل من باب التقدير لرسالة أدّتها بضمير. ومسيرتها، بكل ما حملته من دفء ووضوح، ستظل علامة في تاريخ الإعلام اللبناني الموجّه للأطفال، ودليلاً على أن الصورة التي تُقدَّم بحبّ تبقى، حتى وإن غابت الشاشة.


tags: