1. Home
  2. ولكن
  3. اللحظة التلفزيونية العربية: من الصناعة إلى الافتعال !
اللحظة التلفزيونية العربية: من الصناعة إلى الافتعال !

اللحظة التلفزيونية العربية: من الصناعة إلى الافتعال !

0
0

بقلم الدكتور عمر الفاروق النخّال | اللحظة التلفزيونية العربية كانت يومًا ما، أشبه بانفجار ضوء يملأ سماء الجماعة، لا يراه المرء منفردًا بل يعيشه مع الآخرين كأنه قدر مشترك، فالشاشة لم تكن مجرد زجاج مضيء ينقل صورًا، بل نافذة كونية تفتح على العالم، وتمنح الناس شعورًا بالانتماء إلى حدث يتجاوز حدودهم الفردية.

جيل كامل عاش على وقع مشاهد صارت اليوم أيقونات: خطاب عبد الناصر بعد النكسة، اغتيال السادات في عرض ، إعلان رحيل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، تتويج جورجينا رزق ملكة لجمال الكون، أو حتى مشاهد انتخاب رؤساء الجمهوريات وتشييع الزعماء. لم تكن هذه لحظات عابرة، بل نصوصًا حيّة في كتاب الذاكرة العربية، يعاد سردها جيلاً بعد جيل كأنها قصائد لا تبهت مع الزمن.

هذه اللحظات لم تأتِ صدفة، ولم تهبط من السماء كما تُولد الأساطير.

لقد صُنعت .. وصاغها إعلاميون كانوا يؤمنون بدورهم، يحرصون على تحرير الكلمة وإعداد الصورة، ويتركون مساحات للعفوية الصادقة كي يطل الإنسان فيهم لا الممثل.

كانوا يعرفون أنّ لحظة التلفزيون ليست مجرد مادة بصرية، بل أثر روحي يُحفر في وجدان الناس.

حتى حين كانت الإمكانات التقنية محدودة، كان حضور المعنى يغني عن غياب الأدوات، وكانت بساطة الوسائل لا تنتقص من عمق الرسالة لذلك بقيت هذه اللحظات، ليس لأنها أعيدت آلاف المرات، بل لأنها نُسجت بخيوط من الصدق والرهبة والوعي الجمعي.

اليوم، يبدو أننا نعيش زمنًا آخر، زمن وفرة الأدوات وغياب الأثر.

صار كل شيء متاحًا: البث المباشر من أي مكان، المؤثرات البصرية المبهرة، شاشات ضخمة، قنوات لا تُحصى ،لكن الوفرة بكل أسف لا تُنجب الخلود، على العكس، كأنها صارت تبتلع المعنى وتترك وراءها خواءً لامعًا.

نشاهد مئات المشاهد يوميًا، لحظات تُسوّق لنا باعتبارها “هامة”، لكنها تمضي كأنها لم تكن.

لم يعد التلفزيون يقدّم حدثًا يؤسس لذاكرة جمعية، بل فقاعات متتابعة تنفجر في لحظة وتذوب في اللحظة التالية فعلى ما يبدو أن الذاكرة التي كانت تُبنى على الصدق، صارت تتفتت على وقع الافتعال.

الافتعال هو كلمة السر في مأزق اللحظة التلفزيونية الراهنة، مذيع يرفع صوته أكثر مما ينبغي، مذيعة تستدرّ الدموع قبل أن يستدعيها الموقف، غرفة أخبار تختلق ضجيجًا موسيقيًا أو بصريًا كي توهم المشاهد أن ما يراه عظيم ومزلزل.

لكن المشاهد العربي، الذي خبر التلفزيون منذ عقود، صار يعرف الفارق بين اللحظة التي تُصنع بصدق واللحظة التي تُفتعل بتكلّف. المشاهد نفسه لم يعد يصدّق بسهولة، ولم يعد يندهش بسهولة، صار يتلقى المشهد ببرود، يتفاعل معه دقائق على منصات التواصل، ثم يتركه يتبخر كأي خبر عابر.

هكذا تُهدر الإمكانات التقنية في خلق ما يشبه الاستعراض المسرحي بدل أن تُوظف لصياغة حدث حقيقي يعلق في القلب.

المسؤولية لا تقع على الأفراد فقط، بل على السياسات التي تدير المؤسسات فحين تصبح الحسابات الرقمية والـ “ترند” معيارًا للنجاح، وحين تستسلم إدارات التلفزيونات لابتزاز الأرقام، فإن النتيجة الحتمية هي طغيان الافتعال.

وبدلاً من أن يسأل القائمون: “كيف نصنع لحظة تبقى؟”، صار سؤالهم: “كيف نصنع لحظة تُشاهد أكثر؟”. هكذا خسر التلفزيون وظيفته التأسيسية، وصار تابعًا للسوشيل ميديا بدل أن يكون مرجعًا لها مع تسجيل مفارقة أن الأدوات التي كان يمكن أن تمنح اللحظة عمقًا أكبر، حوّلتها إلى سطحٍ أملس لا يمسك شيئًا.

رغم ذلك، المشهد ليس قاتمًا بالكامل.

يثبت التاريخ في هذا المجال أن الصناعة ممكنة حتى في أصعب الظروف، فقد علمنا الماضي أن الإمكانات المحدودة لا تمنع صناعة لحظات خالدة، والحاضر يمنحنا أدوات هائلة يمكن أن ترفع منسوب الدهشة والمعنى لو استُخدمت بوعي.

تأكيد هنا أن المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في الاختيار حيث يمكن للبث المباشر أن يكون شهادة صادقة على حدث تاريخي، ويمكن للمؤثرات البصرية أن تمنح الصورة قوة تعبيرية أكبر، ويمكن للتفاعل الجماهيري أن يضيف طبقات جديدة من المعنى.

المهم أن يتوقّف كل شيء على القرار: هل نريد أن نصنع لحظة، أم نريد أن نفتعلها؟

المشاهد العربي اليوم لم يعد صامتًا، صار حاضرًا برأيه وتعليقه وسخريته ولم يعد يتلقى فقط، بل يشارك في صناعة المعنى أو في فضح زيفه.

وهذا الحضور النقدي تحديدا هو الفرصة الحقيقية لتصحيح المسار فإذا استمعت المؤسسات إلى صوت المشاهد، وإذا تعاملت بجدية مع قسوته أحيانًا، فإنها ستجد فيه البوصلة التي تردّها إلى صدقها الأول، ففي نهاية المطاف المتلقي الذي ملّ الافتعال هو نفسه الذي ينتظر اللحظة الصادقة كي يلتفّ حولها وهو ما زال لديه الاستعداد ليُدهش، وليُصدّق، شرط أن يُمنح ما يستحق من معنى.

اللحظة التلفزيونية العربية لم تختفِ بعد، لكنها تاهت بين وفرة الوسائل وفقر الاختيار.

يمكن أن تُستعاد، إذا اجترحنا شجاعة الاعتراف بأننا أضعنا البوصلة، وإذا قررت المؤسسات أن توازن بين زمن الصناعة وزمن السوشيل ميديا والمطلوب هنا طبعا ليس إنكار العصر الرقمي، بل ترويضه، وإدماجه بروح الصناعة القديمة التي منحت الماضي بريقه.

المطلوب أن نصنع لحظات عصرية تبقى في الذاكرة، لا أن نستسلم لافتعال يذوب في اليوم التالي. والمطلوب، قبل كل شيء، أن نستعيد احترامنا للمشاهد وذكائه، فنقدّم له ما يستحق من صدق ورهبة وحقيقة، وعندها فقط يمكن أن نعيد للتلفزيون العربي مكانته، وأن نصنع لحظات تُروى للأبناء والأحفاد كما رُويت لنا لحظات الماضي.

هذه اللحظات ليست استعراضًا، بل ذاكرة حيّة تشهد أنّ التلفزيون كان، وما زال قادرًا، على أن يكون مرآة الوجدان الجمعي.


tags: