كتب الدكتور عمر الفاروق النخّال | تسبّب الشيخ نعيم قاسم بأزمة سياسية كبيرة لحزب الله على الأرجح في خطابه ما قبل الأخير عندما دفعه انفعاله إلى اقتراح الاستفتاء على السلاح في معرض مهاجمة قرار الحكومة حصر السلاح غير الشرعي نهاية العام الجاري.
زلة لسان كادت أن تضع الحزب أمام لحظة حقيقة قاسية لولا العدول عن هذا الطرح المفصلي باعتماد سياسة هروب تكتيتي من هذا الاستفتاء عبر إبقاء الصوت العالي “عملة لا تبور”، الصوت العالي الذي لم يعد يلقى صداه سوى داخل بيئة الحزب.
حتى الدعوة إلى وقفة احتجاجية أمام السراي رفضاً لقرارات الحكومة تأجلت بسحر ساحر، وكأن غرف الحزب انبرت مباشرة بعد الخطاب إلى صياغة مواقف جديدة تمنع الإحباط عن جمهوره ولا تريح الداخل اللبناني على المدى القصير.
هذا التأجيل لم يكن بريئاً، بل جاء انعكاساً لخشية حقيقية من أن تتحول الوقفة إلى امتحان مباشر لا قدرة لحزب الله على تحمّله.
يدرك حزب الله أن أي استفتاء على سلاحه لن يكون لصالحه في ظل مزاج لبناني يميل أكثر فأكثر نحو الدولة الواحدة وقرار السيادة الواضح، واللبنانيون الذين أرهقتهم الأزمات والازدواجيات يطلبون قاعدة بسيطة للحياة العامة: إما سلاح الدولة أو لا دولة.
لذلك تحولت كلمة الاستفتاء التي وردت على لسان الشيخ نعيم قاسم في انفعال عابر إلى عبء سياسي لن يجرؤ الحزب على استعادته في أي خطاب لاحق، فهي كلمة فتحت الباب على احتمال قياس الشعبية عبر صندوق، لا عبر تظاهرة أو خطاب، وهو ما يشكل مخاطرة لا يريدها الحزب.
الاستفتاء سيعني حكماً مكاشفة مع الناس والناس ليست في مزاج يمنح شرعية مضاعفة لأي سلاح خارج سلطة الدولة.
في المحصلة، الحزب أمام خيارين: الاعتراف بمنطق الدولة وما يستلزمه من تنظيم السلاح ضمن مؤسساتها، أو مواصلة سياسة الإنكار عبر الهروب من أي امتحان مباشر.
والخيار الثاني هو ما نشهده اليوم: رفع الصوت، استدعاء الأخطار الخارجية، ربط السلاح بمصير الطائفة، وصناعة خطاب تعبئة يطمئن القاعدة ولا يضيف لخارجها شيئاً!
حزب الله يواجه اليوم معضلة مركّبة: لا قدرة على الذهاب إلى استفتاء يكشف حجم الإجماع على السلاح، ولا قدرة على مواجهة قرار حكومي مدعوم بارتياح داخلي وضغط خارجي.
لذلك يبقى الحل الوحيد المتاح هو الهروب عبر رفع النبرة وإعادة إنتاج لغة الاستهداف والخطر، لكنها لغة فقدت تأثيرها خارج البيئة الحزبية، فيما الحقيقة السياسية التي ترسّخت منذ زلة اللسان تلك وحتى تأجيل الوقفة هي أن شرعية السلاح لم تعد قابلة للنقاش إلا من زاوية نهايته.
وبذلك يصبح كل خطاب مرتفع النبرة عند حزب الله غير قادر على حجب حقيقة واحدة تقول إن السلاح خارج الدولة صار عبئاً لا رصيداً، وأن صندوق الاستفتاء – حتى وإن لم يُفتح – يكفي مجرد ذكره ليكشف حجم الأزمة.
فعلى أرض الواقع، ثمة دولة ماضية نحو احتكار شرعيتها، وثمة حزب يكتفي بالهروب إلى صوته الداخلي، وهو صوت لا يغير شيئاً في اتجاه الريح.