كتب مهدي سليم | في السياسة، لا يفضح الحقيقة مثل الفراغ. منذ اغتيال حسن نصر الله يعيش حزب الله أزمة كاريزما لا تخطئها العين، أزمة تكشف بأكثر الطرق فظاظة أن الرجل رحل فعلاً، لأن ما سمح به غيابه من رداءة في التسويق والخطاب والصورة مستحيل أن يمرّ لو كان حاضرًا.
ليست الحكاية زلّة تقنية في الإنتاج الإعلامي أو تعثرًا عابرًا في اختيار المفردات، بل خلل بنيوي أصاب صلة الحزب بجمهوره. اختلّ الميزان بين الصوت والحجة، بين الرمز والبنية، وبين قصة “المقاومة” كدرع نفسي لجمهور واسع وبين واقع سياسي يحتاج قدرة إقناع لا تكفيها الحشود ولا الأناشيد.
لقد صنع نصر الله، على امتداد سنوات، مزاجًا عامًا يحمي الحزب من النقاش المفتوح. كان يملك نبرة توحّد السردية، وتوقيتًا يضبط إيقاع الجمهور والحلفاء، وقدرة على تحويل الخسائر إلى أثمان “مبررة”.
خلف تلك الكاريزما تمددت هوّة بين الأداء الفعلي ومتطلبات الدولة، غير أن الصوت كان يردمها كل مرة. باغتياله انكشفت الفجوة بلا ستار.
صار الجمهور يرى المفاصل لا الجلد، ويقارن بين وعود السيادة ووقائع الاقتصاد، وبين لغة الانتصار ولغة الدولة. ومع انكشاف الفجوة، ارتبك المسرح، فصعدت النوستالجيا كعكاز إعلامي بدل تطوير خطاب جديد.
يظهر الارتباك أوضح ما يكون عند الأمين العام الحالي نعيم قاسم. الرجل يتكلم كثيرًا، لكن الخطاب لا يمسك بالأذن ولا يعلّق في الذاكرة.
المنصات نفسها تعترف بذلك بلا قصد حين تعيد التذكير باسم نصر الله عشرات المرات قبل التسويق لكلمات قاسم، كأنها تبحث له عن ظل يقيه قسوة الضوء. الإلقاء رتيب، الجملة إدارية، والمجازات شحيحة.
تُبذل محاولات تجميل تقنية في الإضاءة واللقطة والشعار، غير أن الهالة ليست مادة قابلة للحقن في مرحلة ما بعد الإنتاج. الكاريزما تُبنى من تماهي الشخصية مع القضية، ومن صدقيّة تخرج من الفعل قبل القول، وهذه عناصر لا تُولد بقرار حزبي.
هنا تتسع كلفة الغياب. فالقدرة على تسويق “وحدة الموقف السياسي” كانت دائمًا تستند إلى صوت مركزي يترجم التباينات إلى تناغم.
اليوم تتكاثر الساعات داخل المعسكر نفسه، وتعلو أصوات متوازية لا يجمّعها إيقاع. يتأرجح الخطاب بين لغة الدولة ولغة السلاح، بين تسويات مطلوبة وممانعة مطلقة، فتضيع البوصلة عند المتلقّي.
حين تغيب الكاريزما الجامعة، تصبح كل مفردة قابلة للتأويل ضد قائلها. الازدواجية القديمة لم تعد قابلة للتسويق بالحنجرة، وتبريد التناقضات لم يعد ممكنًا بنبرة مطمئنة، لأن النبرة نفسها فقدت مركزها الذي كان يوفّر لها شرعية التجاوز.
هذه الثغرة فتحت الباب لصحوة “المترددين” في بيئة الحزب. هم أولئك الذين كانوا يسلّمون للزعيم بالحقّ في التأويل، ويغضّون الطرف عن الفاتورة الاقتصادية والأمنية لأن هالة الرجل كانت تُسكت الأسئلة.
اليوم ترتفع الأسئلة من الديوانية إلى الفضاء شبه العام. أمهات المقاتلين يسألن عن الجدوى، وأصحاب المصالح عن الاستقرار، وموظفو القطاع العام عن الرواتب قبل الشعارات.
لم تعد العاطفة تكفي لترتيب الأولويات، ولا الخوف يبرّر الصمت طويلًا. يتغيّر ميزان الإقناع لمصلحة خطابٍ يريد دولة واضحة الحدود والقرار، لا هيكلًا يعلّق الدولة على شفا الاستثناء الدائم.
إن كان لا بدّ من استعادة كاريزما ما، فلن تكون كاريزما شخص، بل كاريزما مؤسّسة. الطريق الوحيد لتجديد القدرة على الإقناع هو الانضواء في إطار الدولة لا الالتفاف عليها.
حين يتحول فائض القوة إلى فائض خدمة، وحين تُستبدل أسطورة القائد بنجاعة الإدارة، تولد هالة أخرى أكثر صلابة وأطول عمرًا.
شرعية القانون أفعل من شرعية الخطابة، وكاريزما الأداء العام أصدق من كاريزما المنبر. الفراغ لن يملأه صدى صوت قديم، بل نظام قادر على العيش من دون صوت واحد، ودولة تتكلم بقوتها الشرعية نيابة عن الجميع، لا عن حزبٍ يستعير صوتها حين يشاء.