1. Home
  2. ولكن
  3. حزب الله.. حين يتحوّل حركة انفصالية!
حزب الله.. حين يتحوّل حركة انفصالية!

حزب الله.. حين يتحوّل حركة انفصالية!

0
0

بقلم الدكتور عمر الفاروق النخال | لم يكن قرار الحكومة اللبنانية الأخير بتكليف الجيش وضع خطة لحصر السلاح غير الشرعي قبل نهاية العام الجاري خطوة عادية في سياق الروتين السياسي المعهود، بل كان إعلاناً عن لحظة سياسية نادرة تعيد فتح جرحٍ مؤجل منذ اتفاق الطائف. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بسلاح خارج إطار الدولة، بل بمدى قدرة الدولة نفسها على فرض سلطتها على كامل أراضيها، وبمدى استعداد القوى السياسية للمشاركة في هذا الامتحان السيادي من دون التلاعب بالمصطلحات أو الاحتماء بالشعارات.

في اللحظة التي خرج فيها القرار من مجلس الوزراء، ظهرت معالم المعركة السياسية المقبلة بوضوح. حزب الله، الذي لطالما تمسك بخطاب المقاومة كغطاء لاستثنائيته العسكرية، لم يحتج وقتاً طويلاً ليكشف موقفه العملي. انسحب وزراؤه من الجلسة، وبدأت لغة الاعتراض تتحول إلى مسار واضح للتعطيل. لم يكن الأمر اعتراضاً على صيغة أو على بند تفصيلي، بل رفضاً جوهرياً للفكرة نفسها: أن السلاح، أيّ سلاح، يجب أن يكون حصراً بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.

هذا الموقف ليس جديداً، لكنه في هذه اللحظة السياسية يأخذ بعداً أوضح من أي وقت مضى. فمنذ سنوات، يحاول الحزب إدارة صورته السياسية عبر خط توازٍ هشّ: يقدم نفسه كجزء من الدولة في مؤسساتها الرسمية، وفي الوقت نفسه يحتفظ بقدرة عسكرية مستقلة تضعه فوق قرارات تلك المؤسسات. لكن لحظة اختبار جدية للشرعية، مثل قرار نزع السلاح غير الشرعي، تكشف سريعاً عن حقيقته كعنصر انفصالي، يرى نفسه مرجعية قائمة بذاتها، لا تلتزم إلا بما يتقاطع مع مصلحتها الاستراتيجية، بغض النظر عن النصوص الدستورية أو القرارات الحكومية أو الإجماع الوطني.

الجيش اللبناني، المؤسسة الوحيدة التي بقيت على مسافة واحدة من جميع الأطراف، والتي تحظى بإجماع وثقة اللبنانيين، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍّ مركّب. فهو مكلف بتنفيذ قرار يستند إلى اتفاق الطائف والدستور وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 1701، لكنه في الوقت نفسه يواجه فصيلاً مسلحاً يرفض أن يكون جزءاً من معادلة الحصر الكامل للسلاح. هذا الفصيل لا يكتفي بالتحفظ، بل يستخدم نفوذه السياسي لتعطيل القرار وإفراغه من مضمونه، تماماً كما فعل في محطات سابقة عندما تعارضت قرارات الدولة مع حساباته الخاصة.

لا يمكن هنا فصل الموقف السياسي للحزب عن بنية مشروعه. فمنذ تأسيسه، بُنيت استراتيجيته على أن وجوده العسكري هو الضمانة الأساسية لبقائه السياسي. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المعادلة من أداة مواجهة مع إسرائيل، إلى وسيلة تحكم بمسار الداخل اللبناني، بحيث أصبح الحزب يتصرف كـ”دولة رديفة” تمتلك جيشاً وسلاحاً وعلاقات إقليمية مستقلة، وتتعامل مع مؤسسات الدولة على أنها أدوات إدارية لا سيادية. وفي كل مرة تقترب فيها الدولة من إعادة تعريف علاقتها بالسلاح، يخرج الحزب ليضع الخطوط الحمراء ويعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

المفارقة أن الحزب يرفع في خطاباته شعار الدفاع عن لبنان، لكنه في الممارسة يضع سقفاً لسيادة الدولة لا يمكن تجاوزه. هذا السقف ليس سوى حدود مصلحته العسكرية والسياسية. فهو يريد دولة قوية بما يكفي لتأمين الخدمات وحماية ظهره، وضعيفة بما يكفي لتسمح له بالاحتفاظ بسلاحه خارج أي مساءلة. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: أي دولة هذه التي يُطلب منها أن تتعايش إلى ما لا نهاية مع جيشين، وشرعيتين، ومنطقين متناقضين تماماً في إدارة الأمن والسيادة؟

الموقف من قرار الحكومة الأخير يكشف أن الحزب لم يعد حتى بحاجة إلى إخفاء رفضه لفكرة حصرية السلاح بيد الدولة. بل على العكس، هو يتصرف بثقة أنه قادر على تعطيل أي مسار عملي يؤدي إلى ذلك، سواء عبر الانسحاب من المؤسسات، أو عبر الضغط الميداني، أو عبر استخدام نفوذه في الحكومة لفرملة التنفيذ. وهذه الثقة تنبع من قناعته بأن الدولة اللبنانية، في وضعها الراهن، تفتقر إلى القدرة السياسية والميدانية على فرض هذا القرار بالقوة، وأن أقصى ما يمكن أن تقوم به هو صياغة نصوص جميلة بلا أفق تطبيقي.

لكن خطورة هذه اللحظة تكمن في أن فشل القرار، أو تمييعه، لن يكون مجرد انتكاسة سياسية، بل إعلاناً ضمنياً بأن الدولة عاجزة عن فرض سيادتها حتى على الورق، وأن هناك فصيلاً واحداً يملك حق النقض العملي على قراراتها. وهذا يعني تثبيت واقع الانقسام الداخلي كأمر طبيعي، والتسليم بأن لبنان ليس دولة موحّدة السلطة، بل ساحة تتقاسمها سلطتان: سلطة الدولة الرسمية، وسلطة الحزب المسلح.

الجيش، الذي وضع في موقع المنفذ المباشر لهذا القرار، سيكون في اختبار مزدوج: اختبار القدرة على العمل وسط بيئة سياسية منقسمة، واختبار القدرة على التنفيذ في الميدان في ظل وجود قوى مسلحة خارج سلطة الدولة. وإذا لم يحظَ الجيش بغطاء سياسي كامل ودعم دولي واضح، فإن تكليفه سيبقى خطوة شكلية، وسيصبح جزءاً من لعبة استهلاك الوقت حتى انتهاء المهلة من دون تحقيق أي تغيير فعلي.

تحميل حزب الله مسؤولية عرقلة هذه الخطوة ليس موقفاً انفعالياً ولا خطاباً معارضاً فقط، بل هو تشخيص موضوعي لمسار تاريخي. فكل المحطات التي حاولت فيها الدولة اللبنانية الاقتراب من مسألة السلاح غير الشرعي انتهت إلى التعطيل أو التسوية على حساب السيادة. وفي كل مرة، كان الحزب يخرج رابحاً من جولات التعطيل، لأنه يعرف أن خصومه يفتقرون إلى الاستعداد لخوض مواجهة سياسية حاسمة، وأنهم يفضلون التأجيل على التصعيد.

اليوم، لم يعد التأجيل خياراً آمناً. فالواقع الإقليمي والداخلي يضع لبنان أمام لحظة إما أن يستعيد فيها قراره السيادي، أو أن يرسخ نهائياً موقعه كدولة منقوصة السيادة. والحزب، بموقفه الرافض، يعلن بكل وضوح أنه اختار المعسكر الثاني، وأنه لا يرى في الشرعية اللبنانية إلا أداة يمكن استخدامها عندما تخدم أجندته، والتخلي عنها عندما تصبح عبئاً على هذه الأجندة.

المعركة الدائرة وبكل وضوح ليست تقنية ولا إدارية، بل سياسية بامتياز، وهي تتعلق بمصير الدولة نفسها. إذا قُدّر للحزب أن ينجح في إفشال هذا القرار، فإن الرسالة ستكون واضحة: لا مشروع دولة في لبنان يمكن أن يمر إذا تعارض مع إرادة حزب الله. أما إذا استطاعت الحكومة، بدعم الجيش والقوى السياسية والدولية، أن تفرض تنفيذ القرار، فإن ذلك سيكون نقطة تحول تاريخية تعيد تعريف معنى السيادة في هذا البلد. بين هذين الخيارين، سيحكم اللبنانيون على من يقف فعلاً مع الدولة، ومن يختبئ وراء خطاب المقاومة ليبقى دولة داخل الدولة.


tags: