1. Home
  2. لبنان
  3. .. ويحدثوننا عن الثقة! | حنّا صالح
.. ويحدثوننا عن الثقة! | حنّا صالح

.. ويحدثوننا عن الثقة! | حنّا صالح

224
0

الثقة هي العنصر الأبرز لتأمين الاستقرار النقدي والسيطرة على سعر الصرف، الثقة بمؤسسات الحكم والثقة برجالاته لا تنفصم عن بعضها. كتب الصديق د توفيق شمبور أنه منذ قرار الرئيس الأميركي نيكسون في بداية سبعينات القرن الماضي فك ارتباط الدولار بالذهب، أصبحت الثقة العنصر المحوري المحدد للآليات السوق والأسعار. تبعاً لهذا المقياس السليم، الذي يلمسه المواطن دونما حاجة إلى فلسفة، عرف لبنان ما بعد العام 1992 اتجاهاً واسعاً إلى الدولرة، وفي وقتٍ من الأوقات تجاوزت دولرة الودائع نسبة ال78%!
المودع الصغير كالمودع الكبير، كان يعرف بالعمق أن الثقة غير متوفرة مع اقتصاد وحيد الجانب، ريعي، ولا تؤمن الثقة المطلوبة طبقة سياسية علقت الدستور وأحلت مكانه نظام المحاصصة الطائفي، وجوّفت مؤسسات مثل التفتيش، ديوان المحاسبة، الخدمة المدنية واستتبعت القضاء وهشمت الجامعة اللبنانية والمدرسة الرسمية، فذهب إلى النقد الأجنبي..لكن لم يتوقع أي مواطن، رغم كل الكوابيس التي مرت عليه، أن يصل أركان النظام الطائفي إلى هذا الحدِّ من النهب، وفي نفس الوقت تهريب الثروات التي وضعوا أياديهم عليها إلى الخارج، لأنهم يعرفون حقيقة ما ألحقوه بالنظام القائم والمؤسسات من أعطاب بنيوية.
لعل ما تكشف اليوم، وبعد 17 تشرين والهواء النظيف الذي حملته ثورة لم يعرف لبنان مثيلاً لها في أي وقت، بات من الصعوبة بمكان تغطية الحقائق وطمسها، وبات من الصعوبة بمكان وجود قوة قاهرة بوسعها حرف أنظار الأكثرية عن التركيز على المسؤولية السياسية عن كل ما عرفه لبنان الذي حولته طبقة سياسية مرتهنة من وطن البحبوحة النسبية إلى أرض مجاعة ويباس!
في هذا الزمن يظهر “أمين المال” سلامة بوجهه الحقيقي دون أي مكياج يؤمن مصالح كارتل من المرابين السياسيين والمصرفيين، ما من أحد بينهم يثق في القطاع المؤتمن عليه، لذا اكتشف المواطن أنه من “أمين المال” إلى آخر مصرفي وسياسي مرتبط بالقطاع، ما يعني الأكثرية، كلهم شحنوا أموالهم إلى الملاذات الآمنة.. وفي الوقت عينه يبتكر الحاكم بأمر كل الطبقة السياسية بدع التعاميم التي تمكنه من السطو على الدولارات القليلة Fresh Money لتظبيط حسابات في المصرف المركزي، وآخر هموم الممسكين بقرارات البلد مصالح عشرات ألوف الأسر التي تنتظر هذه الدولارات البسيطة!! وكي يكتمل النقل بالزعرور، ها هو البروفيسور دياب رئيس الحكومة – الواجهة يطالب عبر محاميه، الجامعة الأميركية في بيروت، بما يعتبره مستحقات له حتى نهاية عقده في العام 2025، اي مليون دولار، ويشترط أن يتم وضع المبلغ في حسابٍ خارجي يعود لدولته! بمعزل عن رد الجامعة أنها لن تدفع بونس مقابل عملٍ لم يتم، فرئيس الحكومة الذي وعد اللبنانيين منذ التكليف وبعد التأليف قبل 96 يوماً أنه سيقدم مشروعاً للانقاذ، وان استعادة الثقة مهمة حكومته، “حكومة مواجهة التحديات”، نراه يحول أمواله إلى حساباته في الخارج!! فكيف تُستعاد ثقة الناس مع تهريب الأموال، وكيف تستعاد الثقة مع غياب الرؤية والتخبط والتردد والميل للشعبوية ومدح الذات، ولم ينجح مسؤول في استصدار قرار واحد يشي أن هناك نية لاستعادة بعض المال المنهوب وبالتالي استعادة الاقتصاد، أو السعي لحماية الأرواح!
المواطن الذي يرى تدهور أحواله ساعة بعد أخرى، وكذلك الآخر الذي عضه الجوع، بعدما أكل انهيار سعر الصرف الرواتب القليلة والمدخرات الأقل، وراح الدولار يأكل الأخضر واليابس، يعرف هذا المواطن أننا في قعر انهيار سوريالي: مالي اقتصادي اجتماعي وكذلك أخلاقي، ويعرف أن تبادل التهم بين أركان الطبقة السياسية، من هم الآن في جنة الحكم يقودهم حزب الله، ومن أبعدوا عن جنة المحاصصة ولم يتراجعوا بوصة عن خطب ود حزب الله، إنما يدور صراعهم حول حصصهم في السلطة ودفاعاً عن أدوارهم اللاحقة، وما من جهة منهم تضع في حسابها مصالح بلد وحقوق شعب امتهنت كرامته ونهبت حقوقه وصودرت أمواله. وهنا بالضبط تكمن خلفية التأكيد أن أكثرية اللبنانيين الذين صنعوا ثورة تشرين غير معنيين بصراع ذئاب النظام الطائفي وفحيحهم وسعيهم لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وديمومة الزمن الذي كان يوم 16 تشرين وما قبله! زمن الاستثمار بالخلافات الطائفية والمذهبية للسيطرة بالتخويف والترهيب على الناس! ويعرف المواطن بدقة مكمن الخطورة على مصالحه وعلى الثروة التي يراهن عليها أن تكون الرافعة للتغيير السياسي الحقيقي، مما تسعى إليه بعض الجهات أوتشجع عليه من أحداث، على ما نقلت الأخبار من أنباء عن هجومات استهدفت فروع بعض المصارف. مثل هذا السلوك الشائن يندرج في سياق تحضير الأجواء وتوفير الفرص، لتقدم المنحى البوليسي الذي يتنامى منذ قرارات إعلان التعبئة العامة في 15 أذار الماضي!!
الثورة باقية ومستمرة وما من مبرر لتأخير بلورة أولويات آنية تشكل تجديداً في الخطاب والممارسة بما يفعل من الضغط على التحالف الطائفي الحاكم، ما يبلور مهام المرحلة الانتقالية التي ستطرح على المؤمنين بالبلد مع عودة الحرارة إلى الساحات. اليوم 26 نيسان يكون قد مر 15 سنة بالتمام والكمال على فرض إخراج جيش احتلال النظام السوري لتكن الذكرى عبرة!
وكلن يعني كلن