لافت في التوقيت حديث نعيم قاسم يوم أمس. عشية وصول مجرم الحرب نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس ترمب، وعشية تظهير التشكيلة الحكومية التي يعمل عليها نواف سلام بالتعاون مع الرئيس جوزاف عون، والتي بات معلوماً أن حدّها الأعلى أن تضم بعض الشخصيات من أصحاب الكفاءة والولاء للدولة، فيما ملامح التركيبة، وباتت الأسماء معروفة، محاصصة طائفية فرضتها التركيبة الطائفية إياها، ويغيب عنها الكثير الكثير من الآمال التي عُلِّقت على أن تكون حكومة العهد الأولى حكومة إستكمال التحرير والإصلاح الحقيقي وإعادة الإعمار!
نعود لخطاب الشيخ نعيم الذي حمل بعض الإختلاف في اللغة مع ما سبق، كإعلانه مثلاً أن حزبه “لم يتحدث عن النصر المطلق فهذه معركة فيها أرباح وخسائر”، مضيفاً أن “نصر المقاومة متعلق بالصمود وبكسر الإجتياح الإسرائيلي وبعدم قدرة العدو على إنهائها”. إذن لا نصر مطلقاً يقابله عدم قدرة العدو على تدمير المقاومة كلية، وعليه عاد قاسم للحديث عن أن “المقاومة مسار وخيار نتصرف بحسب تقديرنا في الوقت المناسب”(..). ويضيف أنهم صبروا “لأننا أردنا أن تأخذ الدولة فرصتها الكاملة من أجل تحقيق وقف النار والإلتزام بالإتفاق”. يعني أن الحزب الذي يتلطى خلف الأهالي، تحدث عن البقاء على خيار المقاومة، ولئن أدت حربه لإستدراج الإحتلال فعلى الدولة أن تأخذ فرصتها لإزالة ما تسبب به الحزب من ويلات!
إذن خيار المقاومة، وفي الجنوب صور نصرالله الذي سيشيع يوم 23 شباط، ومسيّرة إستطلاع تنطلق من لبنان، عناصر إضافية قد يضعها نتنياهو على طاولة الإجتماع إلى ترمب، مرفقة طبعاً مع إمتناع حزب الله عن تسليم السلاح المتبقي للشرعية وفق إتفاق وقف النار الذي فاوض عليه الحزب من خلال بري.. كل ذلك سيستخدم كغطاء لتمسك تل أبيب بالإحتفاظ بمواقعها على التلال الخمس في القطاع الشرقي تحت عنوان حماية المستوطنات الشمالية. هنا يبرز التخادم بين الطرفين، فبقاء الإحتلال يؤدي لبنانياً إلى إمداد حزب الله بالأوكسيجين الذي يحتاج إليه في هذا التوقيت، ما سيجعلنا نشاهد مرة أخرى تمدد هيمنته على الكثير من القرارات السياسية والأمنية خدمة للجندة الإيرانية. ومع المكافأة المنتظرة بوجود ميليشيا مسلحة في مجلس الوزراء، فإن ما سيجري إعادة لعينة لتدوير أخطر مسرحية: التعايش في الحكومة مع السلاح اللاشرعي! وبالمحصلة لا إعمار لما تهدم ولا مساعدات، وعلى الأرجح سيبقى إستعادة دور لبنان يبحث عن بطل!
في اللحظة التي فُرض فيها جوزاف عون على برلمان عقيم، ووصل نواف سلام لتاليف الحكومة على رأس موجة تغيير شعبي قوية، برز رهان الناس أن البلد سيغادر زمن سياسة التعطيل والمحاصصة الطائفية وهما سياسة برع بها زمرة من اللاعبين الطائفيين الماكرين. بعضهم حجز موقعه في حكومة سلام مثل “الثنائي المذهبي” الذي يقاتل لمنع خسارة ما كسبه على البلد بقوة السلاح والسلبطة، فحجزت له وزارة المال، الوزارة المفتاح لأي خطوة إصلاحية فكيف مكافحة الفساد. وزير قيل أن ميزته جنسية أميركية ثانية يحملها، فيما التدقيق بثروته وثروات عائلته، من زمن نيجيريا وقيام “بيافرا” بين ال67 وال70، إلى أدائه في لجنة المال والموازنة يضعه تحت الغربال! وربما يتوفر وقت للرئيس المكلف ليستأنس بفيلم وثائقي يروي وقائع قد تكون فاتته! توازياً هناك من يسعى من اللاعبين الطائفيين إيّاهم إلى تعزيز الحصة والإنتقام من مرحلة تم فيها الإبعاد عن جنة الحكم.. وبين الفريق الأول والثاني يبقى المفقود هو مصالح الناس وحقوق الوطن!
حواجز منعت إعادة بناء مشروع الدولة سقطت مع وصول جوزاف عون ونواف سلام إلى أعلى مواقع في السلطة وتم ذلك في منعطف تاريخي. حدث غير مسبوق كان يأمل معه المواطن بأن زمن إنهاء الحروب التي فرضت على لبنان قد حان، وأن مرحلة جديدة قد لاحت، هي بدء الخروج من هاوية الأزمات العميقة المصنوعة بقوة مافيا حاكمة متجذرة متحكمة سياسياً ومالياً ومصرفياً وميليشيوياً. لكن ما يجري على مستوى تأليف الحكومة يطيح بهذه الآمال. ويضع قوى التغيير وكل المناخ التشريني أمام التحدي لجعل إنتخابات العام 2026 إنتخابات التغيير، ويدرك كثيرون أن بناء وضع منظم مرتكز على رؤية سياسية متكاملة ما أمكن، وبلورة “برنامج حكم” لقوى التغيير، عناصر ينبغي أن تمنح الأولوية لرسم معالم الفوز وتأمين ظروف صلبة تنقل لبنان من حال إلى حال!
ويبقى، كل مشاريع التسوية مع السلاح اللاشرعي بذريعة حماية السلم الأهلي أدت غلى فوز حملة السلاح وترسيخ الحصانات و”قانون الإفلات من العقاب” وكفى تكرار هذا الإختبار!
ومنظومة الفساد والإرتهان والتبعية، “كلن يعني كلن” وما تستثني حدن منن