تنطلق اليوم الإستشارات النيابية غير الملزمة للرئيس المكلف نواف سلام الذي قدم للبنانيين في كلمة قبول التكليف رؤية للبنان آخر ما زال ممكناً.
من أول الطريق مع جوزاف عون وخطاب القسم، ومع الرؤيوي نواف سلام، وموجة الفرح التي غمرت لبنان من لحظة تكليفه رئاسة حكومة العهد الأولى، لمواجهة تحديات إستعادة الدولة وبسط السيادة دون شريك وإعلانه 3 إلتزامات: أولوية التصدي لنتائج العدوان وإعادة الإعمار، وإلتزام العدالة لبيروت وضحايا التفجير الهمايوني للمرفأ، كما إلتزام إنصاف المودعين.. إلى تعهده بأن يولي الفئات الشابة الإهتمام بالتغيير وبناء دولة عادلة حديثة مدنية.. فمن اليوم وفي يوميات الثورة مطالب بأن أجنح إلى الموالاة لهذا النهج، والموالاة لا تعني التخلي عن النقد حيث يجب. ستكون هناك صعوبة بعض الشيء، لكن اليوم وفي الغد كما كان بالأمس، سألتزم دوماً شعار “كلن يعني كلن” الذي أطلقه يوماً “سان جوست” قديس الثورة الفرنسية، بوجه منظومة الفساد والإرتهان والتبعية التي سيتطلب قلب صفحة تسلطها الكثير من الوقت والجهد والصبر ودوماً المواجهة.
يقول البيروتي نواف سلام الذي كان في قلب “إنتفاضة الإستقلال” ولم يغب عن ثورة”17 تشرين” وهو من موقعه على رأس محكمة العدل الدولية يلاحق العدو الصهيوني.. أن همه الدائم “أن تعود مدينتي بيروت، أما للشرائع، كما هو لقبها، وأن ننجح كلبنانيين في إقامة دولة القانون في بلادنا وأن يسود العدل بين أبنائه”. ويقول، وهو الذي سيعمل –كما أفترض- لقيام حكومة كفاءات تشبهه وتشبه صاحب خطاب القسم، ان “الثنائية” التي تغريني هي “ضرورة التلازم بين الإصلاح المالي والإقتصادي من جهة والإصلاح السياسي من جهة أخرى”. لأن نواف يعتبر أن في ذلك الشرط الشارط “لقيام دولة حديثة قادرة وعادلة من أجل إنقاذ لبناننا، دولة على قدر طموحات شابا وشبان بلادي”.
حكومة نواف سلام ينبغي أن تكون حكومة قادرة على إستعادة ثقة الداخل وإحترام الخارج لإستعادة لبنان إلى موقعه كبلد نخب قادرة متألقة وليس رصيف تهجير الشباب والكفاءات من أبنائه.
كبيرة ستكون التحديات، لبدء “فصل جديد متجذر بالعدالة والأمن والفرص ليكون لبنان بلد الأحرار المتساوين بالحقوق والواجبات”. في حدن يخبرنا متى سمع ذلك من مسؤول في لبنان؟ ونواف سلام، كما أعرفه وأعرف عنه، لا يطلق المواقف جزافاً وهو يعرف جيداً حجم الصعوبات من كل أطراف “نظام المحاصصة الطائفي الغنائمي”، ولن يتراجع عن “التصدي للعقلية الزبائنية وثقافة المحاصصة”. ودعونا عدم التوقف طويلاً عند ترهات “الميثاقية” التي تحدث عنها رعد ومن هم على شاكلته. هذا الكلام لا يوجه إلى نواف سلام ومِن مَن؟ من الجهة التي إلتزمت أعلى مستوى من الميثاقية بفرض الشغور في الرئاسة نحو 6 سنوات منذ نهاية رئاسة ميشال سليمان، و”راعت” البلد والميثاقية عندما أخذت لبنان إلى حربٍ دمرته!
أمام التحديات الجدية التي سيواجهها سلام، والعقبات التي سيتم وضعها أمام مسيرة للبنان آخر، يحظى الرئيس المكلف بدعم شعبي جارف. تخيلوا أن النائب فيصل كرامي قال من قصر بعبدا أنه كان عندهم توجه ( لترشيح ميقاتي) لكنهم ما فيهم يتجاهلوا إرادة الناخبين. وفي رد غير مباشر على ما إعتبره الثنائي المذهبي إنقلاباً على إتفاق أبرمه مع جهات معينة لتمديد بقاء نجيب ميقاتي في السراي، نقلت “الأخبار” هذا الصباح عن مصدر في الحزب الإشتراكي قوله أن الجنوح لتأييد سلام كان “بسبب الجو الشعبي الذي أرخى نوعاً من الضغط الداخلي”، إضافة إلى أن “اوساطنا الشعبية والحزبية طالبت بإختيار شخصية جديدة”.
وبعد يا هوى تشرين.
كتب د أنطوان الدويهي في “الشرق الأوسط”، وهو أحد أبرز مؤسسي حركة الوعي في بداية السبعينات في الجامعة اللبنانية مع وجوه مثل عصام خليفة وأنطوان سيف وبول شاوول وفوءاد أبي صلاح وعقل العويط وآخرين.. قال إن “بروز نجم نواف سلام هو أيضاً إنتصار لروحية إنتفاضة17 تشرين 2019 الشعبية، وردُّ إعتبار في وجه قامعيها من صناع الخراب، من جماعة الطبقة السياسية والمالية والإدارية الفاسدة، ومن جماعة القمصان السود، ووقوف نواب التغيير المنتمين لتلك الإنتفاضة إلى جانب القاضي سلام، وحركتهم الدؤوبة لتجميع الكتل والأصوات حوله”..ويضيف أنه رغم التفكك وتلاشي الحضور الكثيف في الساحات “فإن الروحية التي بثتها في أرجاء لبنان باقية حية، ويمكن أن تفعل فعلها في المنعطفات المهمة الآتية”.
ويكتب نجم الهاشم في نداء الوطن” أن ما أرادته ثورة ” 17 تشرين” تحقق على دفعات لم يتوقعها حزب الله. يضيف”لم يكن هناك أي يقين في أنها ستهز دعائم سيطرة حزب الله على القرار اللبناني بعد ثلاثة أعوام على إنتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية مغطياً سلاح حزب الله ومتماهياً مع رغباته في السيطرة على القرار السيادي وعلى سلطة الدولة..طالبت هذه الثورة بالحكم الرشيد والعادل وبإنهاء الشراكة بين السلاح والفساد، بإستعادة سيادة مؤسسات الدولة بدءاً من رئاسة الجمهورية. وعندما لم تنجح محاولات فرض قمع هذه الإنتفاضة عن طريق الجيش بعد رفض قائده جوزاف عون لهذه الأوامر والتمنيات، لجأ حزب الله مع حركة أمل إلى تنظيم عمليات قمع ميليشياوية ضد المنتفضين”.
أيها التشرينيون، نساء وفتيان، طلاب مدارس وجامعات، وأسر زحفت إلى الساحات وهنام إكتشفت جيرانها. تمسكتم بلبنان للجميع وقلتم أن لا حل إلاّ بالدولة، بقيام الدولة بديلاً عن المزرعة والدويلة، وصبرتم حتى تعب الصبر.. وما يحصل اليوم هو من ثمار تضحيات اللبنانيين الذين أنجزوا في “17 تشرين” أعمق مصالحة، مشددين أن الدولة هي الخيمة والمنارة للجميع. وما النصر للبلد بكل أهله بدءاً من جنوبه المنكوب إلاّ صبر ساعة.