كلما أمعنا التدقيق في المشهد العام، في لبنان وسوريا ولاحقاً العراق، يتأكد أن هناك منحى لإنهاء الأذرع الإيرانية، ورفع هيمنة نظام الملالي الذي يتحمل المسؤولية الكبرى عن ضرب الإستقرار وتعميم الخراب وتغطية الفساد وتجويف دول المنطقة وتصدع مؤسساتها..وكلما تم التدقيق بأحوال بلداننا يتبين أن ما كان، تم بقرار أميركي لأن المصلحة الأميركية إقتضت ذلك، ويبدو أن القرار تبدل اليوم، وما حدن يخبرنا عن عبقرية قاسم سليماني وكاريزما حسن نصرالله والعبقرية العسكرية لعبد الملك الحوثي ..بأي حال ليس العالم في زمن فو نغوين جياب القائد الأسطوري للحرب الفيتنامية.. لكن حديث البدائل طويل ومتشعب ومن المبكر القول اليوم أن البديل السياسي التغييري متوافر، رغم أن كل الظروف توفر هذه الإمكانية!
وكم كان التجبر عميقاً في لبنان من جانب حزب الله طيلة عقدين من الزمن، عمل خلالهما على إحداث الشغور المتتالي( أكثر من 5 سنوات)، والفراغ شبه الدائم في السلطة التنفيذية( أكثر من 7 سنوات حكومات تصريف أعمال)، وقاد أخطر نظام محاصصة طائفي غنائمي، إلتقى أطرافه على ضرب الدستور وتعميم الفساد والنهب ومصادرة العدالة، ولم يتركوا أمراً يعمق من إذلال الناس إلاّ وأقدموا عليه. وعندما قامت ثورة تشرين نتيجة الإنهيار العام، وكان بالإمكان فرملة منحى أخذ البلد إلى الجحيم، تقدم حزب الله الصفوف لقمعها. راهنوا على القمع لإطفاء الشعلة التي أحدثتها الثورة لكن الإنتخابات العامة خيّبت آمال قوى الإستبداد.
وعلى مدى العقدين الماضيين تم تسخير قدرات وإمكانات وسلطات، للترويج أن بندقية لا شرعية هي التي تحمي وتدافع وتبني. سرديات عديدة سادت وقد جرى الترويج لها فأحدثت غسل “أدمغة” وصار شعار التمسك بالدولة يعادل الكفر. ورغم تعمق الإنهيار العام كان الإقتصاد الموازي يتعملق و”القرض الحسن” يتوسع والوظيفة العامة لأصحاب القرار التبرير والتغطية، حتى وقع الحزب في شرِّ مكابرته وتجبره عندما أخذ البلد إلى حرب مدمرة، لم تكن ولا ثانية إسناداً لغزة، بل محاولة إيرانية لمنع سقوط الورقة الفلسطينية من يد نظام الملالي، فبدأ سقوط أحجار الدومينو من غزة إلى لبنان وسوريا و..العراق على الطريق.. وعم الخراب، وألقيت أعباء على لبنان لا طاقة له على تحملها!
في آليات تنفيذ القرار الدولي 1701، كما أعلنت من خارج لبنان، لأن السلطة لتاريخه لم تصارح اللبنانيين بأي شيء، هناك مجموعة بنود تبدأ من تفكيك البنية العسكرية لحزب الله جنوب الليطاني فكل لبنان، ومنع دخول السلاح إلى إستعادة الحدود للشرعية اللبنانية تقع كلها في صلب القرار الدولي 1701، الذي حالت قبضة حزب الله وتآمر الحكومات المتعاقبة دون تنفيذه ما ضرب عرض الحائط بمصالح اللبنانيين وحقوق البلد. ولا بديل اليوم عن التنفيذ، وربما تتيح المرحلة لحزب الله لأن يراجع كل ما قام به، والحديث اليوم أنه فقد نحو 4 آلاف قتيل وعدد الجرحى ضعف هذا الرقم، فهو أمام إستحقاق تلبية رغبات أكثرية ساحقة من اللبنانيين ترفض بقاء أي سلاح خارج الشرعية. لكن المؤشرات غير مبشرة، إن إعتمدنا على ما أوردته “الأخبار” اليوم، من حملة تهديد بتقسيم الجيش وشرزمته إن بادر لتنفيذ الإتفاق الذي يحمل موافقة الثنائي المذهبي، بري وحزب الله، الذي فاوض عليه وأبرمته حكومة حزب الله التي يرأسها نجيب ميقاتي!
نعود إلى البنود التي تضمنتها الآلية فهناك ما هو بالغ الخطورة وقد نصت البنود على “حق الدفاع عن النفس” وها هو العدو الإسرائيلي يستبيح البلد قتلاً وتدميراً متذرعاً بالإتفاق غياه ولم تتكرم الجهات اللبنانية بمصارحة اللبنانيين بالأمر. ثم هناك البند الذي يتحدث عن ترسيم جديد من أجل حدود آمنة مستدامة. إنه بالغ الخطورة لأنه يشطب ترسيم الحدود الموجود في الأمم المتحدة. وآخر ترسيم تم في شهر كانون أول من عام 1949 ويحمل توقيع الضابط الإسرائيلي فريد لاندر والضابط اللبناني إسكندر غانم وشكل هذا الترسيم محورأ أساسياً في إتفاق الهدنة. أما الأمر المخيف فهو الذي لم يرد بشأنه شيء في بنود الآلية وهو المتعلق بعودة النازحين، في حين أن القرار الدولي 1701 نص 3 مرات على العودة الفورية دون شروط. فإن العائدين الذين صدموا برماد بيوتهم وبلداتهم، تركوا عرضة للتعديات الإجرامية من قبل العدو، الذي لم ينجح في فرض شريط أمني داخل لبنان، بسبب الرفض الأميركي وليس “صلابة” المفاوض اللبناني، فيحاول اليوم جعل ذلك أمراً واقعاً فيوسع من نطاق الإعتداءات التي تمنع في الوقت عينه إنتشار الجيش.
خروج البلد من الكارثة وإستعادته لإستقراره ولسيادته يتطلب اليوم قبل الغد إنتخاب رئيس للبلاد دون أي إبطاء وحكومة كفاءات من خارج نظام المحاصصة المقيت، تقود أخطر مرحلة لتثبيت مستدام لوقف النار وبسط السيادة دون شريك ونحو بدء إستعادة التعافي.. وما يجري الآن على مستوى البرلمان وكتله كافة لا يبشر بالخير. يجمع بينهم جميعاً بحث كل طرف عن حصته في الرئيس الذي سينتخب والغائب دوماً هم أن يكون الرئيس ومعه الحكومة المقبلة حصة واحدة للبلد!