1. Home
  2. لبنان
  3. كاريزما حزب الله في خطر! | بقلم الدكتور عمر الفاروق النخال
كاريزما حزب الله في خطر! | بقلم الدكتور عمر الفاروق النخال

كاريزما حزب الله في خطر! | بقلم الدكتور عمر الفاروق النخال

84
0

لم يعد يمكن لحزب الله المكابرة على انكساره أكثر من هذا الحد، فلا المشهدية الشكلية عادت تسعفه ولا المضمون عاد مقنعا لأيّ مطلّ على الشأن اللبناني منذ أكتوبر 2023 على الأقل وليس بالنسبة للمراقبين المتبحرين في تفاصيل هذا الملف. ثمة قناعة في لبنان باتت تحسم حقيقة رحيل الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصر الله بعد تكرار ما يمكن وصفه بالمحتوى السياسي والإعلامي الرديء الذي قدمه الحزب خلال الشهرين الماضيين إما عبر إطلالات مسؤول العلاقات الاعلامية الراحل في الحزب محمد عفيف أو من خلال سرديات سياسية وتعبوية مجافية للواقع وصولا إلى خطابات الأمين العام الجديد الشيخ نعيم قاسم.

فلو قُدّر للسيد نصر الله البقاء على قيد الحياة لما كان سمح لهذه الرداءة بأن تتسلّل إلى بنية الحزب مهما كانت قسوة ظروف الحرب ومهما كانت “ورشة” صياغة خطاب النصر صعبة ومرهقة. حنكة نصر الله كانت لتكون كافية في إضفاء صورة شبيهة لما بعد انتهاء حرب تموز 2006 وليس أقل من ذلك.

لا يختلف اثنان على أهمية “الكاريزما” في العمل الحزبي والسياسي والجماهيري، ولعل هذه الجزئية هي الوحيدة المعبرة عن حجم الفراغ الذي تعيشه بيئة حزب الله ما بعد نصر الله وعدم هضمها بعد لصورة الشيخ نعيم قاسم على رأس هذا الحزب الذي عايش أمينين عامين مفوّهين هما السيد نصر الله وقبله السيد عباس الموسوي.

وصورة الفراغ تلك كانت لتكون أخفّ وطأة لو قُدّر أيضا لرئيس المجلس التنفيذي في الحزب السيد هاشم صفي الدين تولي المنصب، لكن دراماتيكية الحرب كانت أقوى على ما يبدو من سلاسة مراسم التسليم والتسلم التي تحدث عنها الشيخ نعيم قاسم في أول خطاب له بعد اغتيال نصر الله.

إذا، ارتكب الشيخ نعيم قاسم خطأً قاتلاً بحق ما كان يجب أن يكون “خطاب انتصار”.
تأخير الخطاب، تعبير عن حالة من عدم الثقة مهما زركش قاسم الخطاب بانطباعات أهالي الجنوب العائدين إلى بلداتهم وقراهم لتكون حبر الخطاب وصلبه.
تسجيل الخطاب، اقتناع بأن أحدا في بيئة الحزب لم يعد ينتظر خطابا لا روح فيه ولا تفاعل ولا يلامس مشاعر أو جراح الناس، هذا عدا طبعا عن الإعلان عن الخطاب قبل بثه بساعتين على نحو أوحى بأنه للاستهلاك الإعلامي السريع فقط وليس لرسم ملامح مرحلة على هذا القدر الكبير من الدقة والخطورة.

التكرار في الخطاب كان قاتلا، لدرجة الشعور بأنه تجميع لمقاطع من خطاباته السابقة واقتطاع من خطابات قديمة للسيد نصرالله أُعيدت صياغتها لتكون ملائمة لقدرات الشيخ نعيم قاسم في التعبير عنها لا سيما جزئية الإرباك الذي تعرض له الحزب بعد “ثلاثاء البيجر” و”خميس اللاسلكي” واغتيال نصر الله وصفي الدين إلى جانب العودة التاريخية بالأحداث والمواقف إلى لحظة قرار الحزب فتح جبهة لإسناد غزة من جنوب لبنان.

عوامل سرقت البريق من العبارات الآنية التي يُفترض أن تأتي رنّانة وتصلح لأن تكون عناوين أولى أو مقاطع تنتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكن الضعف العام لبنية الخطاب لم تخدم الشيخ نعيم قاسم في تحقيق ذلك مما انعكس هشاشة أيضا على النقاط التي حدد فيها قاسم المسار السياسي الذي سيسلكه الحزب ما بعد الحرب.

لا شيء كان حاسما في الخطاب، لا الانتصار ولا الهزيمة ولا مسار ما بعد الحرب وهذا الغموض لم يعد يمكن وضعه في إطار “السرية” كما كان الحال في السابق نظرا إلى صرامة بنود اتفاق وقف إطلاق النار ما بين الحزب وإسرائيل وتشدد إسرائيل في المقابل في الرد على الخروق بالقصف المدفعي والصاروخي والاستجوابات الميدانية التي شهدتها قرى وبلدات الحافة الأمامية خلال الأيام الماضية.

أسباب انعكست تململاً واضحًا لدى بيئة الحزب التي غابت عن السمع وغابت “هاشتاغاتها” عن منصات التواصل لجهة الترويج للخطاب وتكرار أدبياته ومفرداته حيث اختارت أن تكون إلى جانب المشهدية السمعية والبصرية التي أقامها الحزب في موقع استهداف نصر الله وهذا تعبير أشد وضوحا عن حالة الفراغ التي لن يخرج منها الحزب قريبا على ما يبدو!

ويبرز في هذا المجال أيضا غياب التغريدات التي نشطت عبر منصات التواصل لدى تعيين الشيخ نعيم قاسم أمينا عاما للحزب تقنع بيئة الحزب بدعم الأخير والتعاون معه بدلا من التوسع في الحديث عن الفراغ المخيف الذي تركه نصر الله بعد اغتياله، هذا الغياب كان حدثا ينبغي التوقف عنده كثيرا لإيحائه بأن فرصة أُعطيت لقاسم لإثبات نفسه وعلى ما يبدو بأنها اقتربت من الانتهاء.

ما هو أكيد، أن المقارنة لا تجوز ما بين نعيم قاسم وسلفه نصر الله غير أن ما بات من الضروري إنقاذه هي كاريزما هذا الحزب التي نالت منها الخطوات المرتكبة وغير المحسوبة والشيخ نعيم قاسم لا يتحمل وحيدا هذه المسؤولية، فهذه قدراته في النهاية لكن الفرصة التي مُنحت له كانت أكثر مما يستحق.

تذكير هنا بالخطاب الأخير للسيد نصر الله الذي لم يأتِ على المستوى المعهود نظرا لظهور حالة الإرباك علنا، غير أن الخطاب إياه حمل تعابير ومفردات ستُسجلها ذاكرة بيئة حزب الله للأيام والعقود الآتية مهما توالى على الحزب أمناء عامون جدد.

ونعتقد في هذا المجال أن رحلة البحث عن هؤلاء الأمناء العامين مهما كانت ظروف تغييرهم لن تكون مهمة سهلة أو سلسة لأسباب عديدة أبرزها أن حزب الله لم ينشىء خلال العقدين الأخيرين جيلا يشبه الرعيل الأول لناحية الثقافة السياسية أو الإلمام بعقيدة الحزب السياسية والفقهية.

فما بين جيل نزل إلى ساحات بيروت يشكر سوريا في الثامن من آذار 2005 لحظة اتخاذ الحزب قراره خوض غمار الوحل السياسي الداخلي بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وما بين جيل نفذ أحداث السابع من أيار 2008 ذات الطابع الانقلابي والمذهبي على بيروت وجبل لبنان والبقاع وانخرط في الحرب السورية سنة 2011 وعاد معظمه في التوابيت، وأجهض انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول 2019 ضاعت الوجوه الجديدة القادرة على تولي المنصب الأول في الحزب.

ذروة المخاوف هنا أن تصدُق الشائعة التي سرت قبل تعيين الشيخ نعيم قاسم أمينا عاما للحزب والتي تحدثت عن أن إيران تفضل تسليم حزب الله إلى أحد جنرالاتها بدلا من خطة تعيين أمين عام في لحظة دقيقة وضبابية من هذا النوع.
عندها ستضيع الكاريزما ولربما فرصة بدء انخراط حزب الله في الدولة اللبنانية إلا إذا كان هناك نية في التحول لدى حزب الله من حزب عسكري إلى فصيلين الأول سياسي يقبع تحت قبة البرلمان وفي ظلال السراي الكبير ولا يتبنى بالضرورة أعمال الفصيل الثاني العسكري، لكنّ خسارة الحزب هنا ستكون أفدح لأنها ستطال مصداقيتها تجاه البيئة التي عايشته وتفضله كاملا متكاملا.

وحدها الدولة تبدو ملاذا متبقيا لحزب الله لإنشاء كاريزما جديدة لا تحط من شأنه بقدر ما تُرسي مفاجأة ستكون الأحلى بالنسبة للبنانيين الذين ينتظرون لحظة كهذه منذ عقود.
وأجمل ما ستحمله عملية إنشاء الكاريزما الجديدة أنها ستحمل انتقامًا سياسيًا باردًا من إيران التي باتت بيئة الحزب على يقين تام ببيعها حزب الله وقادته في لحظة تجارية فارقة مع الغرب.

إن أجمل صورة يقدمها الحزب لبيئته ولكل اللبنانيين بعد تخمة الدروس المستفادة هي أن يجادل ويدافع مدافعة الأسود عن رؤيته السياسية وأن ينضم إلى أو أن ينسحب من حكومات لكن تحت سقف الدولة وبعيدا عن الاستقواء الذي لم يحقق شيئا سوى إضاعة وقت لبنان مرات بالحروب العبثية ومرات أخرى بالانقسامات الداخلية المتوترة بفعل فائض السلاح.

العمل السياسي أبرز مساحة ومسرح يمكن لحزب الله استثمارها اليوم وأكثر من أي وقت مضى لاختيار أمين عام جديد يعيش الواقع ولا يستخدم لغة الإنكار وحزب الله قبل كل لبنان أحوج ما يكون إلى هكذا مواصفات للقيام من نكبته إلى فضاء الدولة الرحب الذي يؤوي الجميع.


tags: