لا مجال للخطأ في الحساب والتقدير. حكومة الأقنعة العاجزة عن اتخاذ أي قرار أو إجراء قبل ان تتراجع عنه وتنفيه، ذهبت بعيداً لتغطية عجزها بإعلان خطوات انقلابية نيابة عن رعاتها الفريق السياسي الممانع! الثابت الوحيد في كل ما تقوم به هو حرف الأنظار عن حقائق معلومة، وأولها التغطية على مسؤولية رعاتها وأولهم الدويلة والسلاح غير الشرعي المسؤول عن العزلة والانهيار، وكذلك مسؤولية فريق القصر عن سياسة الهدر في الكهرباء والسدود وسواهما، وهاجس الرعاة حرف أنظار الناس عن مسؤولية كل الطبقة السياسية عن المنهبة والانهيار، حيث رفعت الثورة بوجه الجميع : شعار كلن يعني كلن وليس فقط نصفهم الذي تم إبعاده الآن عن جنة الحكم، وهنا تقدمت الحكومة – الواجهة بوصفها أداة بيد التحالف الحاكم، باتجاه المصرف المركزي والكارتل المصرفي مستغلين الجرائم المالية المرتكبة بحق المواطنين!
حكومة الأقنعة التي نالت الثقة قبل 74 يوماً وشارفت على نهاية المئة يوم على تأليفها، والتي كان ينتظر منها أقله رؤية ما لفرملة الانهيار، أطلق رئيسها كلاماً شعبوياً خطيراً غير مسبوق عندما وصف حاكم البنك المركزي رياض سلامة بأنه يعمل ضد الليرة وأنه يخفي معلومات، ولفت إلى تدهور سريع في سعر الصرف في السوق السوداء” على الرغم من السلطة المحدودة للحكومة في التعامل مع هذا التدهور”، مشيراً إلى “غموضٍ مريب في أداء حاكم مصرف لبنان، والمصرف عاجز أو معطل بقرار أو محرضٍ على هذا التدهور المريب”.. إنها اتهامات كبيرة وخطيرة جداً تعادل الخيانة(!!) .. كان المتابع يتوقع أن يعلن دياب بضوء ما قدمه، قرار الاقالة وتحويل الحاكم بأمر الطبقة السياسية إلى المحاسبة والمساءلة، لأن في التهم أبعد بكثير من مسألة الاخلال الوظيفي التي أشار إليها قانون النقد والتسليف، فمضمون الكلام يذهب بعيداً جداً، إذ يضع الحاكم في موقع الخصم غير المتعاون مع الحكومة !!
لم يعلن قرار الإقالة بل تمثلت المفاجأة في دعوة البروفيسور سلامة لأن “يخرج ويعلن للبنانيين الحقائق بصراحة وما هو سقف ارتفاع الدولار وما هو أفق المعالجة”..متناسياً أنه رئيس الحكومة الذي لم يثبت أمام اللبنانيين اي قدرة على معالجة أي أمر، ومتناسياً أيضاً انه اكتفى بإعلان الافلاس دون أي رؤية لليوم التالي، ومتناسياً أيضاً ان الانفجار حدث منذ 6أشهر وقبل ذلك التاريخ كانت فصول المأساة واضحة انه فوق السطو على المال العام تم السطو على الودائع ويومه وعد البروفيسور اللبنانيين بالانقاذ، لكن حكومة الأقنعة لم تتخذ بعد أي إجراء إصلاحي، ما يعني حتمية انهيار سعر الصرف بمعزل عن أي أمر آخر!
لكن رئيس حكومة الواجهة بلغ الذروة في الشعبوية عندما تحدث “عن دور محدود للحكومة في التعامل مع هذا التدهور”. هنا لا بد من دعوته لصرف بعض الوقت لقراءة الدستور. إن المادة 65 من الدستور المعدلة بالقانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/0/1990 تقول بالحرف:”إن السلطة الاجرائية مناطة بمجلس الوزراء. وهو السلطة التي نخضع لها القوات المسلحة، ومن صلاحياتها وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها..”، ما يعني أن السياسة النقدية ليست مستثناة من السياسات العامة للدولة التي يتعين على مجلس الوزراء اتخاذ القرارات بشأنها. ولا يجهل أحد أن المشترع عندما وضع هذا التعديل في العام 1990، يكون قد ألغى صلاحية المجلس المركزي لمصرف لبنان في هذا الشأن كما كانت قد وردت في قانون النقد والتسليف للعام 1963!
هنا نفتح مزدوجين أمام هذه الشعبوية التي تتحدى ذكاء المواطنين ومعرفتهم، فحديث صاحب الدولة من أن “مصرف لبنان عاجز أو معطل بقرار أو محرض على هذا التدهور المريب”، أمر مريب فعلاً لأن المجلس المركزي غير قائم منذ نحو السنة، بسبب تقاعس مجلس الوزراء، السابق والحالي، عن القيام بدوره، وما من مواطن يجهل فشل الحكومة الحالية وعجزها مؤخراً عن تمرير مسرحية المحاصصة الطائفية لتعيين نواب الحاكم الذين يتشكل منهم المجلس المركزي!! وتتوالى الاتهامات كالكشف عن “تهريب” 5مليارت و700 مليون دولار خلال شهري كانون الثاني وشباط، والأمر خطير جداً، لكنه يؤكد المؤكد، وهو أن كل العمليات معروفة من جانب الحكومة بفضل وجود مفوض الحكومة لدى المصرف المركزي، واللافت أن الحكومة لم تتدخل في الأمر، ولم يكشف دياب الاسماء والأكيد انه يعرفهم، فكل أداء الحكومة في هذا المجال تتمة لأداءها المبهر في موضوع ملاحقة واستعادة الأموال المنهوبة والمهربة؟ فيا ليت صاحب الدولة نوّر المواطنين؟
كان على صاحب الدولة أن ينور اللبنانيين بانجازات حكومته التي قال أنها حققت 57 % من مهامها وقال الرئيس عون أنها أنجزت في 70 يوماً أكثر مما فعلته السابقة في 3 سنوات، فالناس يا صاحب الدولة تعرف أنكم قمتم بتثبيت الدوام الصيفي بنجاح، وأنكم قمتم بتثبيت سعر صفيحة البنزين على 25 ألف ليرة وسعرها أقل من 10 آلا ف، وتعرف الناس أنه في زمن المجاعة وأولوية رغيف الخبز، ذهبتم لاستدانة 625 مليون دولار من أجل سد بسري رغم الرفض الشعبي وكل ما يحمله من مخاطر بيئية وجيولوجية وبعد الفشل الذريع في جدوى سياسة السدود؟ والناس تعرف أن كل ما تطروحنه هو الضرائب على الجائعين الذين فقدوا الوظائف، ولا تقاربون ملف الكهرباء الذي رتب نحو 50% من الدين العام، ولا تقاربون الاقتصاد الموازي الذي أنشأه حزب الله ويستند إلى التهريب من المعابر الشرعية وغير الشرعية ويحرم الخزينة ما لا يقل عن ربع عائداتها؟ لكن لا بأس هذه الحقائق معروفة من كل الموجوعين الذين يعرفون تعامل الحكومات مع مطالبهم بكيدية غير مسبوقة ففي هذا المجال تعتبر حكومة “مواجهة التحديات” وريثاً حقيقياً ل”حكومة استعادة الثقة” التي سرعت كل إجراءتها الانهيار!
خصوم الحكومة توقفوا عند انعقاد جلسة مجلس الوزراء بعد زيارة استعراضية إلى وزارة الدفاع، وحذروا من منحى انقلابي والبلد يدور فيه الكثير من الأحاديث عن حكومة عسكرية، تم اللجؤ إلى مثلها في بلدان عجز فيها أهل السلطة عن تقديم أي رؤية وأي حل، وبعض الاتجاهات الأمنية اليوم ليست بعيدة عن هذا المنحى. وبالتوازي ذكرت “الأخبار” أن سلامة لم يكن منزعجاً مما قيل وسيرد على الهراء والاتهام الباطل انه يعمل لكسر العهد أو الحكومة، ونقلت الأخبار أيضا أن سلامة”سمع رئيس الحكومة يقول بأنه ليس عمر كرامي كي يستقيل ولو وصل سعر صرف الدولار إلى 20 ألف ليرة!
يأكلون بعضهم فضحتهم الثورة ولا يستطيعون الهروب من المسؤولية. من هم في جنة الحكم وخارجه والحاكم بأمر مافيا السلطة وكيل ترتيب الصفقات هو واحد منهم. ليست معنية الثورة بصراعاتهم التي ستتلاحق بل معنية بفرض التغيير لأن من حق اللبنانيين حكومة موثوقة تعرف البلد ومصالح أهله، والثورة ستفاجيء الجميع وستدافع عن حريات اللبنانيين وهي قادرة على كسر كوابيس الطغاة، وكلن يعني