يحيى الصديق – أساء حزب الله استثمار انتصاره الذي كسبه في حرب تموز 2006 فكانت النتيجة اختفاء التعاطف والتضامن العربي والعالمي معه في حرب 2024، فما الذي تغيّر بين الحربين؟ بل ما الذي تغير بين حرب الإبادة الجماعية ضد قطاع غزة وبين العدوان الإسرائيلي على لبنان؟ فقد لاقت حرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد قطاع غزة رفضًا عالميًا واسعًا لم تشهده القضية الفلسطينية في تاريخها، هذا المشهد المعقد يثير العديد من الأسئلة عن أسباب غياب التأييد الشعبي لحزب الله في هذه الحرب، رغم أنها حربًا دموية وتدميرية إسرائيلية على لبنان.
استهداف “شيعة لبنان”
استراتيجية إسرائيل لم تكن تقليدية هذه المرة؛ فقد ركزت بهجماتها على الطائفة الشيعية بشكل خاص، مستهدفة ممتلكاتهم، قراهم، ومناطقهم، حتى وصل الأمر إلى ضرب غرف النوم التي يقطن فيها قياديون بارزون في الحزب تجنباً لاستهداف مواطنين “لا علاقة لهم بحزب الله”. ورغم وجود فصائل مقاومة لبنانية أخرى من خارج الطائفة الشيعية مثل كتائب القسام في لبنان وقوات الفجر وغيرهم، إلا أن إسرائيل حرصت على تجنب استهدافهم عمدًا، ساعية لتأصيل فكرة أن الصراع يقتصر على حزب الله وطائفته فقط.
هذه الاستراتيجية لم تكن وليدة اللحظة، بل بدأت تتشكل بوضوح في اليوم التالي لانتهاء حرب تموز 2006. فمنذ ذلك الحين، عملت إسرائيل على تعزيز الانقسامات الطائفية في لبنان. وسعت إلى زرع قناعة لدى العديد من اللبنانيين بأن الحروب المقبلة لن تكون معارك تخصهم. وبالفعل، نجحت في ذلك بدرجة كبيرة. فحينما اندلعت حرب 2024 في 21 سبتمبر، بدا جليًا أن إسرائيل قد استعادت زخم خططها القديمة، وشنت حربها من حيث انتهت في 2006، مركزة على أهداف محددة ومستخدمة استراتيجيات إعلامية ونفسية تعزز الانقسام اللبناني الداخلي.
نتج عن ذلك شعور عام بين اللبنانيين بالخوف من التورط أو الاصطفاف في صف الحزب، على عكس ما شهدناه في 2006. فقد اتبع كثيرون ما يمكن وصفه بسياسة “الحياد السلبي” الخطير.

الحزب داخل لبنان
عندما نُلقي نظرة على سجل حزب الله الداخلي على مدار الثماني عشرة سنة الماضية، نجد أن الحزب قد خسر الكثير من التعاطف الشعبي نتيجة لتصرفاته الاستعلائية واستخدامه المفرط للقوة ضد اللبنانيين. بداية من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بالعام 2005 والتي أكدت المحكمة الخاصة بلبنان ضلوع عناصر بارزة من الحزب في الجريمة والذي قُتل أبرزهم في هذه الحرب باستهداف اسرائيلي، وإنكار الحزب زاد من حدة الانقسام الطائفي وأثر على ثقة قطاع كبير من اللبنانيين بالحزب.
مروراً باجتياح حزب الله لبيروت في السابع من أيار 2008، واحدًا من أكثر الأيام حرجًا وسوداويةً في سجل الحزب، حين قرر تحويل بندقيته من مواجهة العدو الخارجي إلى الداخل اللبناني وتحديداً في وجه السنة في بيروت، هذا التحول ألقى بظلاله على مفهوم المقاومة نفسه، إذ بدأ كثيرون يشككون في أهداف الحزب ودوافعه.
ثم جاء اعتراض الحزب على احتجاجات ثورة 17 تشرين الأول 2019 ضد الفساد، وذلك بخروج أكثر من مليون ونصف لبناني إلى الشوارع في واحدة من أكبر الانتفاضات الشعبية في تاريخ البلاد مطالبين بمحاسبة الفاسدين واسقاط المنظومة السياسية. لكن لجأ الحزب إلى العنف والاتهامات المعلبة وحرق خيام المعتصمين، والاعتداء عليهم، ووصفهم بـ”عملاء السفارات”، مما جعل الحزب يبدو في نظر العديد من اللبنانيين كحامٍ للنظام السياسي الفاسد، بدلاً من أن يكون قوة إصلاحية تنحاز للشعب.
إضافة إلى ذلك، تورط الحزب في عمليات تجارة المخدرات وزراعة الحشيش وتهريبها ودعم تجارها، وكذلك ضلوعه في عمليات اغتيال لشخصيات إعلامية وصحفية انتقدوه ورفعوا القلم والصوت ضده، وأخيراً وليس آخراً انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، في واحدة من أكثر الكوارث المأساوية التي شهدها لبنان. والذي أودى بحياة المئات، وتدمير العاصمة، ورغم أن الحادثة أثارت تساؤلات عديدة حول المسؤولين عنها، فأن موقف الحزب كان لافتًا. لم يكتفِ بإنكار أي صلة له بالتفجير، بل دافع بشراسة عن بعض المتهمين، وساهم في عرقلة التحقيقات القضائية. هذا الموقف عزز شعورًا عامًا بين اللبنانيين بأن الحزب لا يُمثل الشعب، بل يحمي مصالحه الخاصة على حساب العدالة.
مع تراكم هذه الأحداث، بات واضحًا أن إرث حزب الله الداخلي مُثقَل بالتناقضات. فمن جهة، يرفع شعارات المقاومة والعدالة، ومن جهة أخرى، يستخدم القوة المفرطة ويقف في وجه الحركات الشعبية المطالبة بالإصلاح. هذا التباين بين الشعارات والممارسات أضعف موقف الحزب داخليًا، وزاد من عزلة طائفته عن بقية مكونات المجتمع اللبناني، مما خلق فجوة كبيرة بينه وبين الشعب اللبناني.
التدخل في شؤون الدول
لم تقتصر تدخلات حزب الله على لبنان فقط، بل امتدت إلى العديد من الدول المجاورة، ففي سوريا، تدخل الحزب بشكل مباشر لدعم النظام السوري في حربه ضد الشعب السوري، مما أدى إلى مقتل وتهجير مئات الآلاف. وهنا شهادتي الشخصية من زيارتي إلى سوريا في 2012، حيث كُنتُ شاهدًا على عمليات التغيير الديمغرافي التي قام بها الحزب في مناطق سورية متفرقة، توثق كيف كان الحزب يجلب عائلات شيعية من العراق وإيران ليستوطنوا القرى السنية المهجرة، وكذلك حصاره الوحشي لمنطقة مضايا وتجويع أهلها وطردهم من المنطقة بحجّة أنها داعمة وحامية للإرهابيين.
كذلك، لم يتوقف الأمر عند سوريا؛ فقد دعم حزب الله الحوثيين في اليمن ضد الحكومة الشرعية المدعومة من التحالف العربي بقيادة السعودية، ودعم تحرك الشيعة في البحرين ودعم خلاياه النائمة والمسلحة في الكويت ناهيك عن دعمه اللامحدود لحزب الله العراقي، مما جعله عدواً في عيون العرب.
الفرق شاسع
رغم أن دوافع حرب 2024 كانت اسناداً لشعبٍ مظلوم يواجه حرب إبادة جماعية تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة، إلا أن سجل حزب الله الحافل بالعنف والتدخلات العسكرية جعل من الصعب على الدول والشعوب العربية والعالمية التفاعل معها، ووجد الحزب نفسه بعد 18 عاماً أمام قاعدة ذهبية بسيطة تقول: “من يظلم الأبرياء لا يمكن التعاطف معه حتى وإن ظُلم”.
رغم كل هذا، هناك جانب مضيء يَظهرُ من خلال التحركات الشعبية في العالم، المنددة لحرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في غزة. والتي تُثبت أن القيم الإنسانية لا تزال الدافع الأساسي لتحرك الشعوب، ولكن الأنظمة القمعية، سواء في العالم العربي أو الغربي، تقف حجر عثرة أمام تحقيق العدالة.
وسط هذه الفوضى، يبقى السؤال: هل يمكن إعادة بناء ثقة الشعوب بالمقاومة بعيدًا عن السياسات الطائفية والممارسات الداخلية المثيرة للجدل؟ وهل تستطيع الشعوب تجاوز خيبات الماضي لإعادة توجيه البوصلة نحو العدو الحقيقي؟.