بقلم الدكتور عمر الفاروق النخال – إقرار الرئيس الأميركي المُنتخب دونالد ترامب بأن تقنية البودكاست التي أطلّ عبرها خلال السباق الرئاسي قرّبته إلى حد كبير من الفئة الشبابية في الولايات المتحدة الأميركية، لن تبقى مجرّد إشادة أو عبارة شُكر لكل معدي ومقدمي هذا المحتوى الذين استضافوه في معرض الحملة الانتخابية.
فالبودكاست ينال من خلال لفتة ترامب تلك نصيبا من دفعة تنشيطية هامة وبارزة قد ترسم مستقبل هذه الصناعة خلال السنوات المقبلة بأبعاد متجددة تشكل السياسة عنوانًا أساسيًا في أجندة تقدمها وانتشارها.
استفاد ترامب على ما يبدو من الاستراتيجية الذكية والتفاعلية التي طبعت حملته الإعلامية في سباق 2024 فردم من خلال استثماره بالبودكاست ونجومه الهوّة القائمة تاريخيًا ما بين الجيل الشاب والقوالب السياسية التقليدية والمعهودة في المشهد الانتخابي الأميركي والمتمثلة بالمقابلات المتلفزة والمناظرات.
واستراتيجية القرار ليست وحدها ما يُحسب لترامب وإنما الجهد الذي حتّمته التقنية عليه لجهة تعديل سلوكه الخطابي وأدبياته الانتخابية، فالبودكاست لا يشبه بالحد الأدنى منابر التجمّعات الانتخابية القائمة على الخطاب الشعبوي وهذا بحد ذاته حافز دفع بترامب لإعادة النظر بالمقاربات السياسية العميقة والجادة مع جيل شبابي مثقف متخصص قريب من النخبوية.
أحدث لجوء ترامب إلى البودكاست في معركته الرئاسية صدمة إيجابية لمفهوم الاتصال السياسي رغم التعقيدات التي تعتري هذا المفهوم في الولايات المتحدة الأميركية تحديدا واختلاف الرؤى بين من يختصر السياسة برمّتها بعيشه الكريم واستقراره المالي والاقتصادي وبين ما يزال مهتما بها كتعبير عن قوة البلاد وموقعها المتقدم عالميا.
وهذه الصدمة الإيجابية ستكون سببًا لإعادة تعريف الاتصال السياسي من جديد ولكن بنكهة شبابية وتفاعلية قابلة للتغيير والتعديل كلما دعت الحاجة واضعة حدًا فاصلاً لزمن غياب المحاسبة بذريعة “المصالح العليا” التي طمست سخطا أميركيا كبيرا ضد سياسات بعض الإدارات المتعاقبة.
صدمة سترفع الاهتمام بالبث الصوتي كأداة للتواصل مع الجمهور في فترة ما بعد السباق الرئاسي الأميركي لن تقتصر آثارها على الولايات المتحدة فقط بل يُتوقع بأن تشمل العالم بأسره.
البودكاست بعد فوز دونالد ترامب بالسباق الرئاسي الأميركي يحجز لنفسه لقبًا جديدا كأداة تواصل سياسي، وأكثر ما سيُربك الاستثمار السياسي فيه أن رجع الصدى سيكون فوريا قد يقلب موازين ويغير أخرى في ملفات أميركية سياسية عديدة داخلية وخارجية.
وفي المحصلة، بات الأميركيون يتسلحون اليوم بأقوى أداة للتغيير .. سلاح يتجلى بالإصغاء وتنمية الحس النقدي بترجمات هادئة يحكمها النقاش الحضاري الهادئ بعد عقود من صخب وشعارات التجمعات الانتخابية الحاشدة.