1. Home
  2. ميديا
  3. الشتاء يعود وحيدا: مساحات شعرية للتساؤل والصوت
الشتاء يعود وحيدا: مساحات شعرية للتساؤل والصوت

الشتاء يعود وحيدا: مساحات شعرية للتساؤل والصوت

161
0

تقدم آيات القاضي مجموعتها الشعرية « الشتاء يعود وحيداً» الصادرة عام 2024 عن دار النهضة العربية، كدفتر أول يمنح الصوت والصخب والتساؤل مساحات شعرية، فالقصائد والشذرات المكثفة الممتدة على مدى 70 صفحة تعيد الشاعرة إلى ذاتها المتسائلة، إلى مغامرات تبدأ بالنظرة إلى الماضي ولا تنتهي عند إحياء الموجودات.

الهروب نحو الصوت والحركة
تشكل الحقل المعجمي للصوت والحركة، من خلال عدة نصوص وشذرات، مرة بدافع التساؤل ومحاورة الذات «هل تكتمل الخطوة بموسيقى الإله الأعزل؟» وقد أتت الموسيقى هناك لفظة، لتولد ثنائية ضدية مع العزلة، ما يجعلنا نتساءل هل العزلة لا تحمل صوتا وحركة؟ هل الآلهة معزولة، وهي التي تحث – سواء كان الإله السماوي أو الآلهة التي أنشأتها طوائف الديانات الأرضية – على الحركة والعمل والتطور وتعد طرفا متواصلا مع العبد الذي يؤمن بها؟ قد يشكل هذا التساؤل انزياحا على صعيد التفكير لدى الشاعرة، أو طرحا لاعتقاد تجاه صورة الإله، لكن الثابت أن الموسيقى المنتمية لمعجم الصوت كانت مبتدأ خلاصها من الجمود، أما السياق الشعري الآخر فقد تولد من خلال التشبيه في مطلع قصيدة « الشتاء يعود وحيدا»: «كحناجر تنزف من إبادة أغنية/ أرفع وجه البنفسج من عتبة الذبول». وظفت القاضي التشبيه هنا، كملمح فني يمنح ما تبقى من الصوت في الحناجر صفة مقاومة في سبيل الصمود ولجوء الشاعر عموما إلى التصويرية في سبيل إيصال الفكرة يعكس مدى تأثره بالفكرة ورغبته في بث التأثير (أي خلق العاطفة) في ذهن المتلقي، ليكون بذلك الصوت الخافت أو أثر الصوت منحا إنسانيا للمقاومة والتشبث باليقظة.
هذان الشكلان الدلاليان للصوت يولدان إلى جانب أشكالٍ أخرى، نزعة معنوية روحية لدى القاضي تتوسل التعبير والبوح، وربما الخروج من السائد الذي ظهر من خلال حديثها حول تمردها على الحجاب «حين خلعتُ حجابي/ خلسة لأطير شعري الأسود/ وأضحك مع الله». والحق أن البعد المجازي الذي حمل ألفاظا تنتمي إلى معجم الصوت شكل دهشة أكبر وفنية أعمق من تلك السياقات التي أتت ألفاظ الموسيقى والصوت كأنها جزء من إحياء مشاهد مألوفة «في أغنيات الشتاء الطويلة/ عازفو الغيتار في الأزقة الضيقة/ وهم يرتقون البعد بالموسيقى/ مشهد أخير/ قبل افتراق الوجوه عن ملامحها».
أتى الصوت ملجأ لبناء عالم جديد، يسمع ما يدور في فلك الشاعرة، ويصيغ معها إجابات على تساؤلات لا تنتهي، وقد عكس تجربتها الإنسانية، دون أن تضطر إلى تكثيف ضمير المتكلم «أنا».

الموجودات بين الإيقاع والإنسانية
لم تعتمد القاضي في قصائدها الطويلة على السرد الشعري، بل تمسكت بالأسلوب الخبري المقترن بالإيقاع الخارجي، ففي قصيدتها «كآخر ما نملك» برز تكرار حرف اللام المتبوع بالأشياء «لا بد أن نعترف لاستفاقاتنا الطفولية/ للكلمات التي لم نقلها يوما / للحب الذي عجزنا عن احتضانه» يتجاوز تكرار اللام البعد اللغوي الموسيقي مظهرا قدرة الشاعرة العالية على محاكاة، كل الموجودات التي تنتمي إلى الماضي، وهو ما يشكل على الصعيد اللاواعي رغبة من القاضي بترميم كل المشاهد السابقة وتطبيعها (أي جعلها طبيعية ومألوفة) والاستعانة بضمير المتكلمين بصيغة الجمع «نا» ما هو إلا محاولة لجعل الخاص والمنتمي للذات مألوفا وشائعا، خطوة لغوية تتوخى القاضي من خلالها التغلب على الوحدة والوهن، الذي ظهر بصيغة تساؤلية تتوسل أيضا الخروج من التجربة الخاصة بحثا عما يجعل الأمور بطابع جماعي «من يملك شجاعة الالتفات عند الرحيل؟ / من يمكنه فعلها دون أن يجرح عينيه؟». بديهيا، الغاية ليست الحصول على إجابات، بل البحث عن جماعة أو بقعة إنسانية تحتوي أرق الشاعرة ونزوحها نحو النجاة.
لم تقتصر الموجودات في قصائد المجموعة على النوافذ/ الكلمات/ الوقت/ الصور، بل ضمت المفاهيم التي تشغل بال المتلقي والباحث والأديب، على سبيل المثال قصيدة «الوطن هو ألا يحدث كل هذا». تحاول القاضي أن تتفرد بتجربتها الخاصة مع وطنها وتعميمها لتشمل الوطن العربي المتشابهة بقعه من حيث المشاكل والأزمات، لكنها وقعت في فخ إعادة إحياء ما قاله شعراء الحداثة عن الخيبة تجاه أوطانهم «الوطن.. حيث لا تعرى وأنت تحيك ثوبا للغريب».
حاولت الشاعرة الموازنة ما بين التجربة الذاتية المحفوفة بالقلق، والطابع الفني الذي تتطلبه القصيدة الحديثة، لكن الصوت الذاتي الواعي كان يتغلب على السياق الشعري ما جعل القصائد تعتنق المجاز والإيجاز تارة، والأسلوب الخبري تارة أخرى.
أثبتت آيات القاضي من خلال تنوع النصوص شكلا ودلالة أن التجربة الشعرية الواحدة قد تحمل عدة محطات متنوعة لا تقبض على المعنى بشكل فوري ولا تتلقاه، بل تترك اللاوعي يبوح بما اختزنه من مؤثرات ومشاهد، وهو ما يؤكد ما قاله أنسي الحاج في مقدمة كتابه «لن»: «الشاعر يأتي قبل القارئ، لأن العالم المقصود هو من صنعه».

المصدر: القدس العربي


tags: