الجسم الهندسي ونقابة المهندسين
يشكّل المهندسون جزءًا حيويًا من المكون الوطني اللبناني، من خلال دورهم المهني والعلمي المعبِّر عن كتلة أساسية من موارده البشرية، كما يساهمون في 40% من الاقتصاد الوطني، بحيث تعتمد أغلب القطاعات الإنتاجية على اختصاصات الجسم الهندسي وفاعليته المهنية. ويتمايزون بتوزيعهم على مجمل فئات المجتمع، حاملين همومها وقضاياها. هذه الميزة تجعل منهم قوة قادرة على إنتاج الرؤى والأفكار، ببعدها الإصلاحي – التغييري في خدمة قضايا الوطن وتنميته المستدامة.
إن إلزامية انتسابهم لنقابة المهندسين، تفرض عليهم بذل الجهود من أجل تطوير دورها باتجاهين: الأول في الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، والثاني في حماية مصالح المهندسين ووحدتهم وفي تطوير دورهم واختصاصاتهم. إن مواجهة التحديات الهادفة إلى بناء دولة القانون والعدالة تحددها نوعية الرؤى لتَشكُل الوعي المؤسساتي. ما يفترض أن نعمل لتصبح النقابة الإطار الفعال في إطلاق النقاش وإدارته، من أجل مستقبل الجسم الهندسي، كي لا تقرره قوى وجماعات فئوية أو طائفية من خارج المؤسسة. وبذلك يتحول دور النقابة إلى منتج للأفكار والرؤى العامة والتفصيلية للدولة وقوى المجتمع
واقع نقابة المهندسين
لقد خضعت نقابة المهندسين لسياسات القوى المسيطرة على إدارة الدولة اللبنانية، من خلال تحجيم دورها الوطني والاجتماعي، وتحويلها الى تابع خاضع ومدافع عن رؤى السلطة من خلال منع تطويرها وتحديث قوانينها، مما سهل عليهم السيطرة على فروعها وتحاصصها طائفيًا وكذلك إدارتها، حتى أن المعارضة فشلت في طرح رؤية تحديثية.
شكلت انتخابات نقابة المهندسين في 2021 حدثًا تاريخيًا من حيث الإقبال الكثيف للناخبين. ولأول مرة اكتسحت لائحة انتخابية واحدة (النقابة تنتفض) أغلبية المقاعد، بوصول قسم كبير من مرشحيها إلى مواقع اتخاذ القرار،
وتقدمت ببرنامج يُعنى بتطوير دور نقابة المهندسين وبنيتها التحتية، ليس فقط كمنبرٍ مستقلٍ لاتخاذ القرار والمراقبة والمحاسبة، بل لتكريس دور النقابة على الصعيد الوطني وتعزيزه بما يخدم الصالح العام.
وبعد تجربة المعارضة القاصرة وعدم قدرتها على تصويب الأمور الأساسية، نتطلع اليوم إلى مسار قادر على تطوير قوانين ناظمة تعكس تطلعات المهندسين. مسار يشكل نواة تساهم في بلورة أطر عمل هندسية تتسلح بالمعرفة النقابية وبالالتزام وتحمّل المسؤولية في العمل بشفافية تامة في مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
لذلك، ينبغي تقييم تجربة الأداء للمجلس المعارض بعد انتخابات 2021، في محاولة لتحديد نقاط الضعف واستعادة الثقة من خلال الاعتراف بالأخطاء ومكامن الخلل وفق تقييم أولي. حيث كان من الواجب أن يتخذ المجلس إجراءات فعالة للتعامل مع المسائل التالية وتقديم الدعم اللازم لإقرارها على شتى المستويات:
- عدم العمل بجدية لتحقيق البرنامج الانتخابي الذي تم على أساسه انتخاب النقيب والأعضاء العشرة.
- عدم وجود إجراءات عمل واضحة للفريق.
- إصدار كتب وبيانات بهدف تسجيل النقاط بدلاً من العمل سويًا لأهداف محددة.
- ضعف وإخفاق في إدارة ملفات النقابة الإدارية والمالية.
- عدم تفعيل دور المندوبين بشكل فاعل وفعال.
- تأخر المجلس ومراوغته في مناقشة أهم ملفات النقابة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
a. التصويت الإلكتروني E-VOTING
b. تعديل قانون تنظيم مهنة الهندسة
c. تطوير عمل هيئة المندوبين
لمحة عن المشاكل المتراكمة في عمل المجالس المتعاقبة في النقابة
• عمل الإدارة
لم يتم تحديثها ولا تطويرها بسبب ضعف الأنظمة الداخلية وإجراءات العمل وعدم كفاية التواصل الداخلي والخارجي لفهم وتلبية احتياجات الأعضاء بشكل عام. كان بإمكان المجلس تحسين عمليات الإدارة من خلال تطوير أنظمة وإجراءات أفضل، وضمان الشفافية عبر المساءلة والمحاسبة والاستجابة السريعة لاحتياجات الأعضاء. كما كان ممكن تحسين التواصل الداخلي والخارجي من خلال أنظمة التكنولوجيا المتطورة وتعزيز القنوات الرسمية للاتصال وتحديد مسؤوليات واضحة لكل قسم داخل النقابة.
• الإدارة المالية
ضعف إدارة الموارد المالية، وتظهر هنا تحديات كثيرة مثل عدم الشفافية في إدارة الأموال، وضعف الرقابة المالية، ما أدى إلى غياب الثقة بين الأعضاء والإدارة، وزاد من إمكانية الفساد وسوء الإدارة المالية. فقد كان على مجلس النقابة تعزيز الشفافية وتحسين الرقابة المالية والمحاسبة من خلال تطوير الأنظمة الرقابية على الشؤون المالية وضمان الامتثال للقوانين المالية والنظم.
• إدارة الصندوق التقاعدي
ضعف وتخلّف وسوء إدارة ملف الصندوق التقاعدي، وإهمال مناقشة الدراسات الاكتوارية، وعدم اتخاذ القرارات الضرورية.
• إدارة صندوق التقديمات الاجتماعية
غياب الرؤية في مقاربة هذا الملف والتقصير في ضبط عمل شركات التأمين، الذي كان ممكنا من خلال الاستعانة باستشاري أو شركة استشارية. فقد كان ممكن أن يشكل ذلك تأثيرا إيجابيا في ضبط عمل شركات التأمين وشركات الإدارة، وبالتالي تخفيض تكلفة الفاتورة الاستشفائية وإيجاد مصادر جديدة لتمويل صندوق التقديمات الاجتماعية.
تحديات الجسم الهندسي ونقابته
منذ الاستقلال غابت عن مؤسسات الدولة الخطط والرؤى التنموية، التي تساهم في تحديد احتياجات القطاعات الإنتاجية. لهذا سادت فوضى في توجيه الموارد البشرية الضرورية، وحاجات الوطن والمجتمع في رسم سياسات التعليم، ومن أخطر نتائجها تزايد مطرد لأعداد المهندسين. هذا الواقع ساهم في تزايد المنتسبين إلى نقابة المهندسين، وتمركز دورها في التقديمات الاجتماعية والتقاعد، ترافق ذلك مع الصراع السياسي للسيطرة عليها وعلى تحاصص مقدراتها، خارج أي محاولة لتطويرها وتحديث دورها وأدائها، بما يتناسب مع تطورها العددي التخصصي والمهني.
إن توسُع وانتشار الكليات الهندسية الجامعية وانتشارها على مختلف الأراضي اللبنانية، بما يفيض عن احتياجات القطاعات الانتاجية، نتج عنه تزايد مخيف لأعداد المهندسين العاطلين عن العمل وتدني ظروفهم المعيشية. خاصة في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الراهنة وانحسار فرص العمل في بلدان المنطقة، في ظل الإدارة المتعثرة والفاشلة في العديد من التحديات من قبل السلطة.
الاقتراحات الأساسية لتطوير نقابة المهندسين
● السعي لتطوير وعصرنة أنظمة النقابة بكافة درجاتها ومسمياتها (قانون مزاولة مهنة الهندسة، النظام الداخلي، الهيكلية الإدارية، إلخ..).
● تحويل نقابة المهندسين بكامل فروعها إلى فروع اختصاص، يختار كل اختصاص رئيسه وممثليه في إدارة الفرع (تحديد الاختصاصات والفروع)، على أن يعمل كل فرع على تطوير الإداء المهني لاختصاصه وإنتاج القوانين الناظمة لعمل الاختصاصات مع الوزارات والقطاعات المعنية.
● تنتظم العلاقة بين الفروع وفق لجان أفقية، لتنظيم الممارسات المهنية القطاعية المشتركة. (هذا النظام يحرر الفروع والمهندسين من هيمنة الجمعية العامة الانتخابية، كما ويقلص من تأثير وهيمنة القوى الحزبية والطائفية.)
● يحدد عدد الممثلين المنتخبين من قبل الجمعية العامة وفق نظام يؤمن استقلالية الفروع بإدارة تخصصاتها، على أن تبقى مالية النقابة وصناديقها مشتركة.
● لجان علمية متخصصة في القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالمهن والاختصاصات الهندسية.
● زيادة فرص العمل للمهندسين من خلال التنسيق مع القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية.