
ننام وقوفا كالأشجار، نتشبث بكل بارقة أمل حتى لو كنا نعرف أنها كذب، فلو فقدنا الأمل بالنجاة فسنموت قهرا وكمدا، ننام وعين القلب مفتوحة على مصراعيها نخشى أن نفقد صوتنا فجأة وحشرجة الموت تباغتنا، وحزام الباطون في بيت بنيناه حجرا حجر يطبق على أنفاسنا، ننام وأيدينا مرفوعة للسماء تماما كأوراق الشجر، ألسنتنا لا تكف عن ذكر الله فقد بات لقاؤه أقرب مما يكون، نغمض لبرهة في محاولة لإسكات نزيف الروح، ومحاولة دامية كي لا نرى تشييع شهيد آخر/عائلة أخرى، حارة بأكملها.. نغفو على صوت الريح المعبأ بالانفجار المريع وحبات مطر تواسينا وتبل عطشنا لنبقى ولا نموت عطشا..!! نغفو من الموت نهرب منه إليه، ونبقى واقفين..!! ويلات الحرب تشعل لهيب النيران في قلوبنا، جثامين محروقة لم يعرفهم أحد، جسد مشوي متصلب كأنه جذع شجرة، كيف سأنجو من كل هذا اللهيب المستعر، يا عفو الله كيف سننجو؟! أنا التي تنام كالأشجار، تتنفس كالعصافير، تهرب كما القطط، تئن كما الخدج المقبلين للحياة، لا يعرفون ما ينتظرهم في جحيم غزة..! يوم دامي آخر يتفجر في غزة، كل أيام غزة باتت بلا حياة، بالكاد ندرك أننا أحياء، كانت الضربات قد توالت حتى لم يعد هنالك أمل يذكر وسؤال يظل يطرأ على رأسنا من أي جهة سيأتي الصاروخ؟
لكن ما عشته لم يجب على سؤالي بعد..!! لقد كنت أجلس على كرسي بلاستيكي في وسط البيت أنهيت صلاتي ثم لم أشعر بأي شيء، كأنه حلم خبيث يزدحم في عقلي لكنه كان واقعا ولم يكن خيالا، شعرت فجأة أنني أختنق، البيت انهار على جسدي كله، البيت أطبق جدرانه على كل شيء، لم يعد هنالك شيء في مكانه، أدركت أن القصف قد نال بيتي ذو الطابقين، كانت هنالك بلاطة كبيرة وعتمة تحيط بي، لا أشعر بجسدي الآن..! فقط شعور كبير بالاختناق أدركت أنني تحت الردم بفعل القصف، أردت أن أنطق الشهادتين لكني أدركت أن فمي ممتلئ بالرمل وهذا ما يزيد اختناقي، يدي اليمنى تمكنت من تحريكها، وبدأت أشهق وأنا أحاول نزع الرمل من فمي، أحاول أن أمسح الرمل عن عيني ووجهي، كنت أشعر بالاحتراق الشديد فالغبار والعتمة وانقطاع ضوء النهار عن كل شيء يحيط بي، جاهدت مرارا حتى أن ضربات قلبي لم تسعفني، فتمتمت بالشهادتين، وعدت أحاول أن أنادي أصرخ، وبدأت صرخاتي تعلو بعد صمت مريب وخانق، يدي اليسرى وقدماي وبقية جسدي مدفونة بين الرمل والأحجار وبلاطة السقف الضخمة، تبعد عني بسنتميترات معدودة، تساءلت هل يقدر لي الله الحياة ما دام أبعدها عن رأسي بهذه الدقة الإلهية، تأملت أن الله يريد أن أنجو، فعدت لأبصق الرمل والغبار من فمي، بدأت أصرخ بصوت أعلى الله أكبر الله أكبر.. أشهد أن لا إله الا الله.. شعرت بتعب كبير وصوتي يبدو متقطعا شاحبا، حركت يدي وأمسكت بحصى الحجارة الصغيرة، وأخذت ألقيها على البلاطة الكبيرة مسافة صغيرة لا تذكر لكنها تخلق صوتا، تأملت أن يسمعني أحد.. بدأت تتناهى لمسامعي أصوات صرخات الناس في الخارج لكها كانت مكتومة وفزعة، صوت الإسعافات تعلو، لم أستطيع أن أتحرك كنت كأني في قالب أسمنتي لا أملك إلا صوت متحشرج، ودموعي تسيل دون قدرتي على فعل أكثر من ذلك، لجأت في لحظاتي القاسية إلى الله الذي أخرج يونس من بطن الحوت، وعدت أهلل وأكبر، حتى تناهي لسمعي صوت أحدهم،.. في حد هان… في حد عايش.!!
عادت لي الروح وصرت أصرخ بأعلى صوتي.. وجاءني الصوت الملاكي.. يا حجة إحنا عندك.. وعدت أصرخ.. سمعت صوت أيدي كثيرة وأصوات أخرى فزعة كثيرة لدرجة أنك تعود لتشعر أنه حلم قاسي تدور رأسي، وأحاول أن أبقى يقظة..! وفي زاوية تحرك جزء يسير من البلاطة الضخمة الأسمنتية تلك التي آوتني وأسرتي سنوات كثيرة شتاء وصيفا كانت تسترنا، الآن أناجي الله ليبعدها عني، رأيت نور كشاف يتحرك بين العتمة المطلقة، ويد المسعف تمتد بمكان ضيق وبقول: اطمئني بإذن الله عرفنا مكانك..!.. بكيت كثيرا وأنفاسي معدودة ترهقني رائحة الأتربة والعتمة والحجارة المتناثرة توخز جسدي في كل مكان، بدأت أشعر بهم أسفلي، وصرخت قدماي مغلولتان، عامود الباطون يكبلني، جاءني صوت مطمئن لا تخافي سنخرجك من الأسفل، الرمال تهيل من أسفلي، أشعر بفراغ يتمدد، لم أعرف كيف تلتصق بي هذه الحجارة المقتولة تحتجزني في مسافة عدمية، شعرت بأنني أهوي إلى الأسفل، فهنالك فتحة تمكن المسعفون من تحريكها هالت الرمال إلى الأسفل وتبعها جسدي المتكسر، وجدت نفسي على فرشة أسفنجية ممتلئة بالحجارة والتراب والأسلاك وأشيائي الصغيرة كلها حتى المسبحة لازالت في يدي، حملتني عشرات الأيدي متجاوزة كل الأكوام الأسمنتية وفي لحظة شعرت أن ضوء الشمس قد عاد فجأة فلم أتمكن من فتح عيني التي باتت في ظلمة قاسية.. حاولت فتحها وعشرات الأصوات المكبرة من حولي، أدركت أنني في سيارة اسعاف تحيطني الأيدي الملائكية وتضع الاوكسجين لا أشعر بساقي ولا كتفي ولا يدي اليسرى، لقد نجوت لا أعرف.. كنت أهذي بأسمائهم.. يا سلمى يا عمر يا زيد يا أمل يا حسين يا علي يا سعيد يا ياسمين يا بيسو ووينكم وين ولادكم وين أحفادي..!!؟ غبت عن الوعي واستيقظت بعد ساعات وصرخات تملأ المشفى، مجزرة أخرى في بيت واحد.. أربعون شهيد في دقيقة واحدة، عشرات آخرون لازالوا تحت البناية المكونة من خمسة طوابق باقون تحت الردم لا يملكون إلا أيدي عارية لإنقاذهم.. إنهم يعيشون الآن ما بين الحياة والموت.. يالله هل ستتركهم وحدهم في العتمة والهلع.؟! أين عائلتي أين عائلات بناتي؟ أين عائلات أولادي؟ ألست جدة قد نجت؟! ما معنى النجاة بلا أحفاد وأولاد وبيت..!! يا عفو الله كيف سأتحمل الحياة والعتمة قفزت إلى روحي وغدوت ميتة بأن نجوت..! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ () كاتبة وإعلامية فلسطينية من غزة