في مثل هذا اليوم من العام الماضي، قبل 100 ساعة من فتح صناديق الإقتراع، ورد في اليومية رقم 938، إن “البرلمان الي سينتخب في 15 أيار هو الأخطر بتاريخ لبنان لأنه سيرسم مصير البلد ومستقبله لعقود”. وأنه “بين أيدي المقترعين مهمة وواجب إيصال كتلة تغييرية، تفرمل منحى النفايات السياسية تجديد نظام المحاصصة الطائفي الغنائمي، والذهاب بعيداً في مشروع إقتلاع البلد وإلحاقه بإيران الكبرى.”
وورد أيضاً ضرورة أن نتذكر أن “تشريعات برلمان العام 1992 أوصلت لبنان إلى هذا الجحيم، لأنهم نجحوا بتزوير التمثيل، وكل الطبقة السياسية شريكة في المسار الإجرامي، ومن إنضم بعد العام 2005، إنخرط في اللعبة إياها وهو شريك بالتسبب بانتقال اللبنانيين إلى زمن قوارب الموت”!
كررت تلك اليومية الدعوة إلى ملاقاة المغتربين بالتصويت العقابي، “تصويت عقابي ضد منظومة الفساد والقتل التي أذلت اللبنانيين بالسطو على مقدرات الدولة، وسجلت حدثاً غير مسبوق في التاريخ بنهب جني الأعمار و تسلطت منطلقة من قانون العفو عن جرائم الحرب. أول مهام مجلس 2022، إن تمكنوا سيكون قانون العفو عن الجرائم المالية، فيكتمل منحى الحصانات للصوص، كما حصّنت المدعى عليهم بجناية تفجير بيروت، وحمت قانون الإفلات من العقاب وغطت إختطاف الدولة وإرتهنت البلد”!
في15 أيار كان المقترعون على الموعد. عندما باحت الصناديق بمكنوناتها، إسودت وجوه المتجبرين. ظهرت الكتلة التصويتية التشرينية كناخب أول وأوصلت 13 نائباً من المرشحين على لوائح التغيير. والأهم أن التصويت العقابي حرم حزب الله وفريقه من الأكثرية ولم يمنح الأغلبية ل”معارضة” نظام المحاصصة.
حدث مدوي أدى من اللحظة الأولى لفتح النار على الوافدين إلى البرلمان باسم ثورة تشرين التي عجزوا عن إطفاء شعلتها! ومنذ ذلك التاريخ بدأ الإستهداف الذي تجندت له “معارضة” النظام و”موالاته” والشاشات ببرامج “التوك شو” والصفحات الصفراء والكتبة على القطعة وهم كثر. بلغ التجني ذروته وكأن الثورة ومن أوصلت، هم من أذل الناس ونهب وحمى الناهبين والمدعى عليهم بالقتل في جريمة المرفأ، وإنتهك الدستور وإستباح السيادة وغطى إختطاف الدولة ويقف وراء الحصانات..كل ذلك كان يعكس حجم الوجع الذي حملته صناديق الإقتراع!
غير النجاح في خربطة التوافقات تحت الطاولة في تشكيل اللجان البرلمانية وآلية عمل اللجان، وتقديم مشروع قانون الخط 29 لحفظ السيادة والثروة والحقوق، وما سجّله من سقوط مدوٍ لكل كتل ونواب نظام المحاصصة الذين تنكروا للسيادة والدستور وقدموا الثروة للعدو، لم يكن أداء نواب التغيير بحجم الآمال، ربما وضعت عليهم آمالاً أكبر! وكم بدا صادماً إستسهال العمل في القشور والإمتناع عن بذل أي جهد لإبقاء المواطنين في موقع اللاعب الأساسي في العملية السياسية وفي الإستحقاقات الكبيرة!
ملاحظتان لا بد منهما: الأولى، تكمن في رعونة الإبتعاد عن تأثير الناخب التشريني، ما طمأن المطبخ التشريعي حول بري في رئاسة ولجنتي المال والإدارة والعدل فتلاعب هذا المطبخ ما طاب له! وطمأن ذلك حكومة البنكرجية لتواصل سياسات ما قبل الإنتخابات لجهة المضي بالإستنزاف وحصر الأولوية من جهة في تغطية إجرام الكارتل المصرفي متكيء على تعهد السلطة بلجم القضاء، ومستند إلى بدع تعاميم رياض سلامة الملاحق بتهم تبيض الأموال والتزوير، فترك الحبل على غاربه لفرض هيركات على الودائع بلغ 85%.. إلى بدعة “صيرفة” المتصادمة مع الدستور والتي وفّرت للمصارف والمحتكرين والميليشيات أرباحاً فلكية!
ومن الجهة الثانية في ممارسة السلطة الإجرائية “الحياد” حيال إملاءات حزب الله ومضيه ببناء ركائز بديلة قضمت تباعاً المؤسسات. أولها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، “القرض الحسن” غير القانونية والمتصادمة مع القانون والتي تجاوزت فروعها ال30 وهي أضخم مؤسسة لتبييض الأموال على عينك يا تاجر!
أما الملاحظة الثانية فهي كل الأداء المتعلق بالإستحقاق الرئاسي. يعرف القاصي والداني أن الرئيس المطلوب اليوم رجل دولة من خارج نظام المحاصصة الغنائمي يشبه اللبنانيين الساعين إستعادة دولتهم ودستورهم وبلدهم. تناسوا محورية جعل الرئاسيات محطة صراع شعبي يمكن أن تقدم هذا النموذج، وأذعج خاطر البعض ترشيح شخصية تشرينية مثل د. عصام خليفة، كان يمكن أن يتحول ترشيحها لمطلب شعبي!
بدأت المشكلة في “سلة الأسماء”، فهل كان خلفها هاجس إنتزاع رضى بعض أطراف نظام المحاصصة ليس إلاّ! المرشحون الثلاثة هم من صلب نظام المحاصصة، نيابياً ووزارياً، والبعض منهم محسوب على أكثر من طرف، فهل هدف نواب التغيير تقديم خدمة مجانية لهذه القوى تخدم إعادة تأهيل نظام المحاصصة؟ وطبعاً خدمة يغلفها بعضهم بتكرار ببغائي لشعارات جوفاء متعذر صرفها: إصلاحي وسيادي ومستقل!
هنا يبدو أن أحداً ما تسلل إلى الورقة – المبادرة لتكتل نواب التغيير، ودس فيها عبارة أن البرنامج السياسي للتكتل هو “الكتلة التاريخية” العابرة للمناطق والطوائف، لأنه من لحظة إعلان المبادرة تم إعتماد خطٍ مواز يستحيل أن يلتقي مع هذا العنوان!